الثلاثاء , أكتوبر 27 2020
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / #الهدف_آراء_حرة السودان: سؤال العلمانية والدين: أولوية الدنيوي أم الديني؟

#الهدف_آراء_حرة السودان: سؤال العلمانية والدين: أولوية الدنيوي أم الديني؟

أحمد محمود أحمد

▪الذين يعارضون العلمانية يدافعون عن سلطة المصالح.
▪العلمانية تخضع لشرط المكان والزمان وليست ذات نمط واحد.
▪الذي انتج خطاب العلمانية سودانيا هو الممارسات السيئة لتيار الإسلام السياسي.

افتتاح: في الواقع السوداني والذي تدنى كثيرا نتيجة لممارسات تيار الإسلام السياسي، والذي اشتغل على اقحام الدين في السياسة وبشكل غير مسبوق، مع الفشل في كل ما تم تجسيده عبر تجربة الحكم، أدى هذا الفعل إلى تراجع الوعي السوداني كثيراً، نتيجة لغياب العقلانية وانتشار الخرافة، عبر خطاب الإسلاميين المنفصل عن الواقع..
وفي هكذا واقع  يبدو طرح موضوع العلمانية كنوع من المغامرة نتيجة للتشويش الذي بدأ يحيط به، وكذلك محاولة تقوية الشفرات المستخدمة ضده من قبل عناصر القوى الرجعية ذات المصالح المرتبطة بشيوع الفكر الديني من جهة، وكذلك تفكير العناصر غير المدركة لطبيعة التحولات التي حدثت في سياق الدولة الحديثة ومحاولة إبقاء الحالة السودانية خارج مجرى التاريخ، وتقوية عناصر التخلف ضمن شيوع خطاب المبتسرين عقلياً، عبر هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، وبالذات بعد ثورة ديسمبر.
هذا المقال يتأسس على أرضية نقد ذلك العقل الذي يشتغل ضد العلمانية، وكشف اهدافه ومناقشة الدنيوي والديني وفق أسس موضوعية، تقيم التوازن بينهما.. ويصبح وضع العلمانية ليس ذلك التقابل بين الدنيوي والديني، والذي يسعى إليه البعض، إنما تأسيس رؤية تقبل بتجاور الدنيوي والديني، كل وفق شروطه ودوره في حياة المجتمع، إذ لا تتم التضحية بالدنيوي من أجل الديني، أو حدوث العكس.
واخيرا فإن العلمانية كمفهوم لا يعتبر مفهوما جامدا، إنما يخضع لشرط المكان والزمان، وقابلية تطويعه لخدمة مصالح البشر..
* مدخل تاريخي:
عبر خلافة الخليفة عثمان بن عفان، اجتمع نفر من المسلمين وبينهم صحابة أجلاء، فذهبوا إليه طالبين منه التنازل عن الخلافة تتيجة لعدم موافقتهم على بعض سياساته، وبالذات تجاه اهله من بني أمية، وحول قضية تعيين الولاة على الأمصار… وهنا انبرى إليهم الخليفة عثمان ليقول لهم إنه لن ينزع قميصا ألبسه إياه الله، وفي قول آخر لن (أخلع رداءً سربلنيه الله)، ويقصد بهذا إن السلطة هي سلطة إلهية، ولا يستطيع البشر العاديون خلعه عن هذه السلطة، حتى إذا كان المطالبين بذلك يتوسطهم محمد بن أبي بكر الصديق، عمار بن ياسر، عبد الله بن عباس، والأشتر النخعي، وغيرهم.. وبهذا القول، والذي قال به الخليفة عثمان فقد تم إغلاق الحوار  ضمن واقع البشر، ليدخل في الدائرة الإلهية المغلقة، وهنا تبدت تباشير الدولة الدينية في تاريخ الإسلام، أي ربط الدين بالسياسة، وكذلك انفتح باب آخر للصراع كانت نتيجته قتل الخليفة عثمان، بعد رفضه الحوار، والتنازل عن السلطة..
هذه اللحظة في تاربخ الإسلام هي التي حددت المسارات اللاحقة لهذا التاريخ، وأقصد تاريخ الانقسام والاقتتال، إذ تلا مقتل الخليفة عثمان بن عفان الحرب التي وقعت بين سيدنا علي بن أبي طالب، والسيدة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي عرفت بمعركة الجمل، والتي راح ضحيتها قرابة الخمسة آلاف من المسلمين، والتي تلتها مباشرة الحرب الدامية التي وقعت بين سيدنا علي بن ابي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، والتي راح ضحيتها ما يقارب السبعين ألفا من المسلمين، ولقد كانت هي المعركة التي انتجت كل ما يشهده العالم الإسلامي اليوم، إذ تحول الذين وقفوا مع علي بن ابي طالب وشايعوه لينتجوا المذهب الشيعي، وهذا عكس الخوارج، أي الذين خرجوا عليه عبر مسار معركة صفين، وتناسلوا تاريخيا ليعرفوا بالخوارج ولينتجوا لنا لاحقا خوارج هذا العصر.
أقول بأن اللحظة التأسيسة لهذ الخراب في تاريخ الإسلام ارتبط بمفهوم الدولة الدينية، أي تداخل السياسي والديني، و هو ما يولد الصراع الدموي وفق منطق الدين والتبرير الذي يجده كل شخص داخل النص الديني، ليبرر به القتل للطرف الآخر..
هذا الصراع الذي حدث في تاريخ المسلمين هو صراع سياسي بامتياز، وكان يمكن أن ينتهي عند لحظته تلك، ولكن اعطاءه والباسه الصيغة الدينية هو الذي عقد من طبيعة ذلك الصراع، والذي انتج المبررات الدينية لاستمراره، ولتتحول الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض، تدعمه مبررات الفقهاء، وفتاوي الضرورة، وهو ما أدى إلى الانحطاط في تاريخ المسلمين عبر تشابك الديني والسياسي، والذي تعمق مع ظهور تيارات الإسلام السياسي.
وقد حدث في أوربا لاحقاً اسوأ مما قد حدث في تاريخ المسلمين، إذ سيطرت الكنيسة على حياة البشر واصبحت هي السلطة السياسية والدينية، وأصبح الملك، والذي هو رأس الكنيسة، هو ظل الله في الأرض، والناطق باسمه، وتم قمع الناس باسم الدين، وأدى هذا إلى انفجار الصراع المذهبي، والذي راح ضحيته العديد من البشر، وهذا هو الواقع الذي فتح المجال للبحث عن مخرج من هذه الكارثة، أي كارثة الدولة الدينية، وهذا هو الواقع الذي انتج العلمانية في مجالها الأوربي للحد من تدخل الدين في شؤون الدولة، وتحويل السلطة للبشر ليتم الصراع علي واقع الأرض دون الحوجة للذين يتحدثون باسم الله، ويستغلون الدين من أجل تجميد الصراع، وخدمة مصالحهم الدنيوية..
إذن العلمانية لم تكن ترفا فكرياً، إنما فرضتها وقائع السلطة التي مثلها رجال الدين في كل العصور، لكن اللحظة الأوربية كانت حاسمة نتيجة للواقع المذري الذي خلقه رجال الدين.. ولقد تنزلت العلمانية من أجل إخراج الناس من هذا الاستغلال الذي مثله الدين عبر ممثليه، ولهذا فهي لم تأت لهدم الدين كم يتصور البعض، إنما جاءت لفصل الدين عن الدولة، حسب بعض التنظيرات، أو بالأحرى فصل الدين عن السياسة، وهو الفهم الذي يتبناه هذا المقال.
إذ ترتبط السياسة بادارة الدولة، وتسيير مصالح الناس، وهي نسبية، وتخضع لشروط الدولة الحديثة، وتتماهى مع الرؤية التي تقول إن الدولة ظاهرة تاريخية اجتماعية حديثة، وليس للدولة دين، فهي كيان سياسي، واجتماعي، يحتوي على أديان متعددة.. وهذا يتطلب الحياد الإيجابي تجاه الأديان، وتاسيس الدولة على أسس تراعي واقع الأديان، وتحترم معتنقيها، لكن بشرط إبعاد الدين عن التدخل في مسارات الدولة، وعدم الزج بالدين في السياسة، وعلى كافة المستويات.
*السودان و العلمانية;
بعد نيل الاستقلال فإن الدستور الذي حكم البلاد، هو الدستور الذي وضعه الاستعمار البريطاني، ولقد جرت محاولات عديدة من أجل تعديل ذلك الدستور لتبئته مع الواقع السوداني، ولم يرد عبر المرحلة التي تلت الاستقلال أية اطروحة تتعلق بالعلمانية، لأن الدستور والقوانين كانت مدنية، وبغض النظر عن بعض الملاحظات حولها، إلا أنها تعتبر قوانينا بشرية، يمكن تعديلها أو إلغائها، إذا توفر برلمانا ديمقراطيا.. المأزق الذي أدى لطرح العلمانية خلقة تيار الإسلام السياسي، والذي تحالف مع جعفر نميري في العام 1979، لينتجوا تلك القوانين التي اطلقوا عليها قوانين الشريعة الإسلامية، والتي ادت إلى كوارث فظيعة في الواقع السوداني، من خلال تطبيقاتها المخلة، والتي استهدفت البسطاء، من خلال قطع الأيدي، والجلد، وأصبح نميري، ودون استحقاق الحاكم باسم الله في الارض..
ولهذا ثارت عليه الجماهير السودانية، وعلى قوانينه العرجاء في عام 1985، وتتضافر الأمر مع حكم الإسلاميين، والذي دام لثلاثين عاماً، مطبقا قوانينا قال عنها هي قوانين الشريعة الإسلامية، والتي كان نتاجها الفساد، والسرقات، وتدمير أسس المجتمع، وقيمه..
هذا الواقع هو الذي أدى إلى ضرورة تطبيق مبادىء العلمانية في السودان حتي لا تتكرر هذه التجارب، وليترسخ واقع جديد يجنب البلاد الحكم المطلق الذي يستند للدين، ومستغليه، ويؤسس لحكم يرتضيه الناس وبمختلف دياناتهم ومذاهبهم..
*نقد عقل الدين السياسي:
النقد السلبي الذي يجريه تيار الإسلام السياسي في السودان للعلمانية، والذين يطرحونها، يعبر عن الرؤية المنحسرة تجاه طبيعة المعالجات التي تحتاجها الدولة السودانية، ومن أهمها تحديد العلاقة بين الدين والسياسة، هذه العلاقة إذا لم يتم ضبطها من الممكن أن تقود لاشكالات عديدة كما حدث في الماضي، سواء كان في السودان، وفي عهد تيار الإسلام السياسي، أو في تاريخ الإسلام كما عكسه هذا المقال ابتداءً..
هذا العقل الديني السياسي، هو عقل اعاقة وتثبيت لراهن التخلف.. فقد جرب هذا العقل عملية خلط الدين بالسياسة ووجد إن هذا الخلط يساعده في تثبيت مصالحه عبر الشعار الديني، وبالرغم من فشله الفاضح عبر تجربة الحكم، إلا إنه يعود مرة لمارسة الابتزاز السياسي لأي طرح يحاول أن يضع حدا لعلاقة الدين بالسياسة، ويؤسس لدولة تحترم كل الأديان، وتتأسس على قيم المواطنة والديمقراطية.. وفي هذا تأتي الرؤية التعميمية لمهاجمة كافة قوى اليسار، واتهامها بمحاولة تعطيل شرع الله، وحدوده، وتكفيرها تجاه رؤيتها لفصل الدين عن السياسة، وهذا هو الفهم المستخدم للعلمانية لدى اليسار السوداني وبشكل عام.. لا توجد قوى داخل السودان تسعى لطرد الدين من حياة الناس، إنما تعمل كل قوى اليسار لضبط العلاقة بين الدين والسياسة، حتى لا يتغول الديني على السياسي، او يستغل السياسي الجانب الديني، من أجل المصالح الخاصة..
ولهذا فالحزب الشيوعي السوداني، والذي تضعه هذه القوى الدينية كنموذج لانكار الدين في الواقع السودان يقول في ورقة قدمها في مايو 1999، للتجمع في الخارج، وبعنوان قضايا استراتيجية، يقول الآتي: (السودان متعدد الديانات، والمعتقدات، حيث توجد أغلبية مسلمة، وكذلك مسيحيون، ومعتقدات أفريقية، من هنا شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة للمساواة في المواطنة، حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار وعلاقة الاغلبية، والاقلية، ومن هنا أيضاً شرط اقرار حقيقة إن الدين يشكل مكونا من مكونات فكر ووجدان شعب السودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ او تستصغر دور الدين في حياة الفرد، وفي تماسك لحمة المجتمع، وقيمه الروحية، والأخلاقية، وثقافاته، وحضارته)..
أما حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي يزايد عليه تيار الإسلام السياسي، ويتهمه بمحاربة الإسلام فيؤكد هذا الحزب دوما بأن العروبة التي يؤمن بها يمثل الإسلام روحها، ويؤكد دوماً على أهمية الدين في حياة المجتمع، ولكنه ينادي وبوضوح بفصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، وبشكل أدق فصل الدين عن السياسة..
لكن ونتيجة للغة الهجوم المتعمد، والمقصود منه تشويه الآخر وقمع المفاهيم التي يتبناها لحل معضلة الدين والسياسة، يحاول تيار الإسلام السياسي تجريم تلك القوى التي تؤسس لعلاقة موضوعية بين الدين والسياسة، وذلك من أجل افساح المجال لمواصلة مشروعه الديني السياسي، والمؤدي للخراب..
هذا العقل الديني – السياسي هو عقل تنقضات بامتياز، فهو يسكت عن كافة انواع الاختلالات للدين، وهو في الحكم، ولكنه يصبح عقلا تشنجيا، وهو خارج السلطة ويتباكى على الشريعة الإسلامية المهدرة في زمن سلطته.
إذن المطلوب وعبر هذه المرحلة التأكيد على أن هذا التيار هو تيار تخريبي، وتيار مصالح دنيوية، يرفع شعار الدين في وجه كل من ينشد الاصلاح، ويخلط الأوراق من أجل سيادة نمط واحد وهو النمط الذي يستغل الدين من أجل مصالح دنيوية.
*الدنيوي والديني;
سؤال العلمانية والذي جاء في عنوان هذا المقال لا يقول بإن العلمانية تمارس هذا الفصل التعسفي بين الديني، والسياسي، وضمن منظور وواقع السودان، فالعلمانية ليست نسقا واحدا ، بل هي تحتمل تعريفات عديدة، والتعريف الذي يتبناه هذا المقال يرتبط بضرورة فصل الديني عن السياسي، وتصبح القضية هنا قضية ضروريات وليست أولويات، فالذين يهملون الدنيوي، ويقولون بسيادة الديني، هم يقتلون الدنيوي والديني معا، وكذلك الذين يقولون بالدنيوي وحده يحرمون المجتمع من انتماءه الروحي، ولهذا فإن تجاور الدنيوي والديني ممكنا، وذلك من خلال ابعاد الدين عن المجال العام وعدم الزج به في السياسة، والعمل على المساواة بين المواطنين في المجال العام، وعدم التفريق بينهم على اسس دينية، وفي ذات الوقت التاكيد على حق الجميع في ممارسة شعائرهم الدينية، ودون فرض، أو وصاية من احد، وبهذا نضمن حيادية الدولة تجاه الاديان، وعدم خلط الدين بالسياسة، من أجل تغليب مصلحة مجموعة على أخرى، وفي هذه الحالة يبقى للسودان أنموذجين يختار بينهما، إما أنموذج الدول التي طبقت العلمانية، وتطورت دولها وحافظت على الدين في مجاله الخاص، أو تجربة أفغانستان، وإيران، والسودان في زمن الانقاذ، او في تصريف آخر تجربة تدمير الديني والدنيوي معا، وهذا ما لم ولن يرضى به أي إنسان عاقل، وهنا فإن الصراع بمجمله هو بين العقلانية ونقيضها، وتقع العلمانية ضمن سياق هذه العقلانية، وتتموضع أطروحات تيار عقل الدين السياسي خارج المنظور العقلي، وتصبح في الآخر السيادة للعقل، سواء كان ذلك في قياس الدنيوي أو الديني.

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

*الجبهة الثورية السودانية* *ترحب بالامر التنفيذي القاضي برفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب* *ترحب بتطبيع علاقة السودان  مع دولة إسرائيل*

Share this on WhatsAppالجبهة الثورية ترحب بصدور الامر التنفيذي القاضي برفع إسم السودان من قائمة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *