السبت , يوليو 11 2020
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / من فض الاعتصام علاء الدين محمود

من فض الاعتصام علاء الدين محمود

سيظل فض الاعتصام في مشهدياته ودلالاته عالقاً في أذهان السودانيين بصفة عامة، والثوريِّين بشكل خاص، فترةً طويلةً من الزمان. لقد كانت القسوة المفرطة حاضرة، وثَّقت لها كاميرات الثوار وشهد بها العالم أجمع، ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ما هي الجهة أو الجهات التي فضت الاعتصام؟ وبطبيعة الحال، فإن الإجابة عن هذا السؤال ستكون مُتشعِّبة جدّاً، بحيث أنها ستتجاوز المتهمين المشار إليهم فعلياً من قِبَلِ الجماهير الثورية ألا وهي المجلس العسكري، أو اللجنة الأمنية لنظام المخلوع عمر البشير، فهي تتضمن تفكيكاً لتلك القوى الاجتماعية والسياسية صاحبة المصلحة في أن ينفض سامر المعتصمين أمام القيادة العامة، وهي قوى تضم كل أصحاب المصلحة والامتيازات في أن يُعاد إنتاج النظام السابق بقوى سياسية جديدة، وهذا يعني قطع الطريق أمام الطريق الثوري لمصلحة ما درج الإعلام على تسميته بالهبوط الناعم. والحقيقة أننا لا نبخل بأسماء تلك القوى السياسية – كما جاء في بعض التعليقات على المقال السابق – ولكن لأن هذه القوى كانت قد قدمت رؤيتها ومارستها فعلياً من خلال قبول المفاوضات مع نظام المخلوع البشير، بالتالي ليس المجلس العسكري الذي يضم جهاز أمن البشير، والدعم السريع، وكبار جنرالات الجيش، ليس وحده صاحب المصلحة في فض الاعتصام الذي مثّل قمة الفوران الثوري، لدرجة أن وجوده صار مُحرِجاً لقوى السودان القديم، مُحرِجاً لأنه صار مرجعية وسلطة تتحكم في مجرى الأحداث والقرارات السياسية، كما أنه صار مركز قوى تحمي الإرادة الثورية الجماهيرية، وكان يسعى – عبر الفعل الجماهيري اليومي الدؤوب والمتواصل – إلى تشكيل كتلة اجتماعية تضم المبعدين والمُستغَلِّين “بفتح الغين”، تقف في وجه الكتلة الموجودة فعلياً، والتي تريد إعادة انتاج الدولة القديمة والنظام القديم السائد منذ استقلال السودان، وهي كتلة تضم طبقات وطوائف وجماعات اجتماعية وسياسية ذات امتيازات ومصالح في استمرار الدولة القديمة، بالتالي هي تقف ضد المسار الثوري وإن صدحت بالأناشيد والهتافات الثورية، وهي في ذات الوقت كتلة تحفظ مصالح القوى الهيمنة العالمية، وتدور في فلك العولمة. ولقد رأينا نجاح تلك الكتلة في افشال كثيرٍ من الثورات على الصعيد العربي، وربما العالمي أيضاً، فالثورة هي فعل ضد النظام بالمعنى الواسع، هي لحظة تمرد عظيم. ولقد رأينا في اللقاءت الماراثونية لقوى “نداء السودان”، مع المبعوثين الدوليين والوسطاء في مختلف العواصف، أن هنالك تحفظاً كبيراً على خيار الانتفاضة أو الثورة، بالتالي لم يكن أمام هذه الكتلة غير طريق التفاوض، والذي يُبقي النظام القديم مع بعض التعديلات الإصلاحية.

لذلك كان لا بد من فض الاعتصام، وهو إرادة شاركت فيها قوى سياسية واجتماعية إلى جانب المجلس العسكري، وليس بعيداً عن كل ذلك التدخل القوي من قوى الهيمنة الغربية عبر الوكلاء المحليين، وهي القوى التي تريد تغييراً ناعماً يُحافظ على مصالحها الاقتصادية، بالتالي سعت قدر جهدها في عقد صفقة ثنائية بين العسكر والمدنيين، وهي العملية التي كلّلت بما صار يُعرف بالوثيقة الدستورية والتي مثّل التوقيع عليها نكبة كبرى من نكبات الثورة، في الوقت الذي كانت فيه العزيمة الثورية في أوجها وسط الثوريين في الاعتصام، إذ كان التفكير اليومي يُنتج كثيراً من الحلول كما أن الأسئلة كانت تفتح آفاقاً ثورية جديدة. ولعل من أكثر الأسئلة التي تم تداولها من خلال النشاط الجماهيري اليومي هو كيفية تحطيم جهاز الدولة دون تدخل طرف ثالث؛ أي الجيش. ولقد كنتُ على يقين شديد أن مثل هذا السؤال هو الذي قاد جماهير شعبنا نحو الاعتصام في القيادة العامة للقوات المسلحة، فلم تكن القضية هي البحث عن انحياز الجيش فقط، بل كانت هنالك فكرة تحييده، وكان من المؤمل أن يقود تراكم مثل هذه الأفكار والأسئلة إلى نتائج أفضل من التوقيع على شراكة مع العسكر، وربما كان ذلك طموح لم يخطر حتى على بال العسكر، لكن التعجل لازم عمل كثير من القوى السياسية.

ولعل من أكثر المشاهد عبثية في مسار الثورة، تلك الورقة التي دفع بها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، وإمام الأنصار، فقد حملت في مقدمتها التمهيدية تعريفات زائفة للثورة، على نحو: “لكي يوصف حراك بالثورية ينبغي أن يعمل على إسقاط النظام القائم. ولكي يوصف الحراك بأنه ثورة فإن عليه أن يضيف لمشروع الإسقاط وجود قيادة مركز للقرار، وبرنامج لإقامة نظام بديل”، فهذا تعريف لعملية إصلاحية وليست ثورية تعمل على القطع مع الماضي وتنفي العلاقات الطائفية والإمامية والبيوتاتية، لمصلحة واقع جديد، ونظام جديد؛ فالثورة عملياً تحمل في داخلها الإقصاء والنفي، والعنف، نعم العنف المتمثل في التحطيم الكامل لبنى العلاقات الاجتماعية القديمة، لمصالح علاقات اجتماعية جديدة تقوم على أساس العدالة الاجتماعية، والعدالة في توزيع الثروات، والسلام كمحصلة نهائية لسيادة قيم العدالة والحرية، فالثورة هي فعل تحرير اجتماعي قبل أن تكون فعلاً سياسياً. ولعل ما يريد المهدي أن يقوم به هو صنع حاضنة جديدة للحكومة الانتقالية عبر مفرزة تنهض على القوى السياسية صاحبة المصلحة في إغلاق المسار الثوري، وبالتالي إنتاج ذات القديم الذي يحمي المصالح والامتيازات التاريخية لتلك القوى، وهي المصالح والامتيازات التي قادت إلى التهميش والظلم الاجتماعي وعدم العدالة في توزيع الثروات، وهي قوى تريد أن تعلن عن ذاتها رغم أنف الثورة، وتُغلق المجال أمام قيام دولة جديدة للعدالة والحرية والسلام.

ولعل المتابع لمرحلة إرهاصات الثورة، يذكر تماماً تلك الأصوات التي كانت تنشر الفزاعات لكي تكف الجماهير عن الخيار الثوري، وهنالك العديد من المقالات، والندوات التي كانت تنكر دور الجماهير في التغيير، وهي أصوات – كما قلنا – تخشى فقدان المصالح، وهي كذلك تتبنى خطاب الإمبريالية المعولمة. ولعل من أكثر الملاحظات إلحاحاً، أن القوى السياسية التي كانت منخرطة في التفاوض مع نظام المخلوع البشير، كانت مراهنتها الأساسية على الخارج والمتمثل في قوى العولمة والنظام العالمي الجديد، ليست هي فقط، بل وكذلك منظمات المجتمع المدني صاحب المصلحة في الدعومات المالية “الفند”، والتي تروج لفكرة الديموقراطية أولاً والتي هي من صميم الخطاب الإمبريالي المعولم. ولقد رأينا ذلك السباق المحموم من قبل قوى الهيمنة الدولية والإقليمية عبر الدفع بمباعيث مشكوك في مصداقيتهم وأمانتهم مثل ولد لبات، ورئيس دولة إثيوبيا المصنوع أمريكيّاً من أجل إيقاف قطار الثورة عند لحظة التوقيع على شراكة رمادية بين العسكر والمدنيين، ليظل التناقض قائماً بين القوى القديمة وأخرى تتبلور وتحمل فكرة الكتلة الاجتماعية الجديدة التي تحدثنا عنها.

لقد تم فض الاعتصام بعنف مفرط، وكان لا بدَّ من العنف الشديد في عملية الفض تلك، لأن هذا العنف يحمل رمزية واضحة الدلالة، وهو القطع تماماً مع أي تفكير ثوري يعمل من أجل خلق واقع سياسي واجتماعي جديد، هي عملية إهالة التراب على الأحلام الثورية، وخنق الأناشيد الثورية في حلاقيم الثوريين، ولقد تم استخدام كل الطرق في لأجل فض الاعتصام، وكانت البداية عبر بوابة الأخلاق والقيم السائدة المحافظة، عندما أشيع أن ممارسات وصفت بغير الأخلاقية صارت تمارس في منطقة الاعتصام. ولقد عملت الآلة الإعلامية التابعة للنظام القديم – ومازالت – بقوة في الطرق على هذه المسألة من أجل خلق حالة من التعاطف، وتوجهت الأنظار نحو منطقة “كولومبيا”، والتي هي جزء أصيل من الاعتصام، بل هو الجزء الأكثر ثورية لأنه احتضن شباباً من منابع اجتماعية مختلفة تشكَّلت من خلاله ملامح كتلة ثورية، خاصة أن قوامها هم شباب حملوا قيم التمرد والرفض ضد القيم والنظام الاجتماعي السائد، بالتالي نجد هنا معنى التحرر الاجتماعي أكثر وضوحاً، فليس من المهم أن تتمثّل تلك القيم أبناء الطبقات الفقيرة والمهمّشة فقط، بل حتى أبناء الطبقات الوسطى والميسورة وفئات المثقفين والمتعلمين، حيث يتشكل خليط اجتماعي هو قوام الكتلة الاجتماعية التي تحدثنا عنها.

لقد كانت الإرادة قوية من قبل القوى القديمة في معسكري العسكر والمدنيين، في عملية فض الاعتصام، بل وكذلك في فض العصيان السياسي الذي انتظم البلاد، والذي يشير إلى توهج الفكرة الثورية وترسخها عند جماهير الشعب، وذات القوى التي تورطت في فض الاعتصام هي التي عملت على فض العصيان المدني، لكن كل ذلك يشير بقوة إلى تعمق الفكرة الثورية في قلوب وعقول أبناء الشعب السوداني، فما عاد من الممكن السير في الطريق القديم.

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

🔴#عاااااجل… #المليشيات_تخطط_لإقتحام_إعتصام_فتابرنو

Share this on WhatsApp🔴#باتت سلامة المعتصمين بفتابرنو بمحلية كتم في خطر داهم، وقد تقع كارثة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *