الأحد , سبتمبر 15 2019
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / الحزب الشيوعي السوداني وإصلاح الخطأ (1)

الحزب الشيوعي السوداني وإصلاح الخطأ (1)

د. أحمد عباس أبو شام
نشر الحزب الشيوعي السوداني في عام 1963، وثيقة تاريخية عظيمة كتبها الشهيد عبد الخالق محجوب، بعنوان ” إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير” ، وصدرت بعد ذلك في كتيب حزبي، ثم أعادت دار عزة للنشر طباعتها وتسويقها، وتكتسب الوثيقة أهمية بالغة وعلامة مميزة، ليس في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني فحسب، وإنما في مجال تاريخ الحركة السياسية في السودان، بل في المنطقة ككل، وذلك لأن الوثيقة تعرضت لقضايا هامة ومعقدة، ضمن تلك القضايا:-
مسألة تطبيق الماركسية وتطويعها على واقع السودان المتخلف والمعقد، وما يفرضه هذا الواقع على تقديم النظرية والحزب إلى الجماهير الشعبية السودانية، في قوالب ونصوص وشعارات تتوافق مع معارف ومدارك وموروثات الشعب السوداني. كما جاء في صلب الوثيقة – ” كيف نترجم الشيوعية إلى اللغة التي يفهما شعبنا “، وذلك في سبيل بناء الحزب الشيوعي، وتحويله إلى قوى جماهيرية كبرى.
انتقدت الوثيقة بأسلوب مباشر وفاضح بعض أساليب العمل الجماهيري، وسلوك الشيوعيين في تعاملهم وتعاطيهم مع بعض فئات المجتمع، وقد خطت الوثيقة بوضوح تام أهمية المسلك والمخاطبة واللغة، وتناول القضايا المجتمعية وطريقة طرحها وسط الجماهير الشعبية.
حللت الوثيقة بعض أساليب العمل الحزبي والدعائي، واقترحت سبل تطويرها وتجويدها للتوافق مع هذه الرؤية.
تعتبر أول وثيقة حزبية وأول إصدارة سياسية، وتكاد تكون الوحيدة التي تتوجه بالنقد المباشر للعمل السياسي والجماهيري لأي حزب سياسي.
أرست وأسست لمفاهيم نقد المواقف، ونقد سلوك السياسيين عندما يتضح خطلها، ومن ثم تصحيح وتقويم تلك الأخطاء. وعلى هذا الدرب سار قادة الحزب الشيوعي التاريخيون.
عندما قامت ثورة 23 يوليو 1951، في مصر اتهمها الشيوعيون في بداياتها، ووصفوها بأنها صناعة أمريكية  ترتبط بدوائر الاستعمار الحديث، والأحلاف في المنطقة، ولكنهم عادوا وصححوا هذا الموقف بعد العدوان الثلاثي على مصر، وبعد اتجاه الدولة الناصرية للتحالف العسكري والسياسي مع الاتحاد السوفيتي، بل ودعت الجبهة المعادية للاستعمار وقتها “إلى تكوين لجان مشتركة للسياسات الخارجية والاقتصادية والدفاعية بين مصر والسودان”. ( راجع مذكرات عبد الماجد أبو حسبو، وكذلك عبد القادر إسماعيل ص 135).
وعندما شرع جمال عبد الناصر في تأسيس وبناء ” الاتحاد الاشتراكي ” كحزب سياسي، نصح الشيوعيون السودانيون رفاقهم المصريين بضرورة حل الحزب الشيوعي المصري والذوبان في تنظيم الاتحاد الاشتراكي، وباركوا هذه الخطوة عندما تحققت، ولكنهم عادوا لاحقا وانتقدوا هذا الموقف، بل نادوا بضرورة إعادة بناء الحزب الشيوعي المصري كتنظيم مستقل.
وإبان الحكم العسكري الأول، وفي العام 1963، قرر الحزب الشيوعي السوداني أن يخوض انتخابات المجلس المركزي، بحجة أن ذلك سوف يتيح للحزب مخاطبة الجماهير، وان على الحزب استغلال ذلك من أجل كشف وتعرية النظام العسكري من داخل مؤسساته، وإنها معركة من اجل استنهاض وتعبئة الجماهير من أجل الإطاحة بالنظام العسكري، ورأى الحزب حينها ان مقاطعة تلك الانتخابات لن تؤدي إلى توسيع النضال وتعميق أزمة النظام، تعرض هذا الموقف للنقد الشديد من داخل الحزب وخارجه، باعتبار انه أعطى المجلس المركزي شرعية ما كان له ان يحظى بها لو انه قاطع الانتخابات، ولكن الحزب الشيوعي عاد لاحقا وانتقد هذا الموقف. ( راجع محمد سعيد القدال : معالم في تاريخ الحزب الشيوعي ص 124 وكذلك الماركسية وقضايا الثورة السودانية).
هذه المواقف الموسومة بالنقد والمراجعة والمصارحة أمام الجماهير التي خطها الشهيد عبد الخالق، والآباء المؤسسون للحزب الشيوعي، لم تحدث اعتباطا أو صدرت عن رغبات شخصية، بل نتجت عن إيمان عميق وقناعة تامة بأن السياسة هي نشاط إنساني بعيدا عن القداسة والأصولية السياسية والإطلاقية التقريرية، وإن النشاط السياسي الإنساني يقبل الصواب والخطأ والمراجعة والتصحيح.
إن الاعتراف بالخطأ في الممارسة السياسية لم ينتقص من مواقف الشيوعيين، والحزب الشيوعي، بل زادت الحزب مناعة وصلابة واحتراما من قبل الجماهير.
ويحق للمرء أن يتساءل عن عدم استمرارية هذا الإرث، وعدم تطبيقه في الممارسة السياسية اليومية، وما تشهده الساحة السياسية هذه الأيام يتنافى ويتناقض مع هذا الإرث الثوري والسلوك القويم الذي مارسه الآباء المؤسسون.

الحزب الشيوعي السوداني وإصلاح الخطأ (2)
  لقد اتسمت مواقف الحزب الشيوعي السوداني في الفترة الأخيرة بكثير من الارتباك والاضطراب وعدم الوضوح، وأحيانا ظهرت بعض المواقف والتصريحات المتناقضة لقياداته، الشيء الذي أزعج كثير من المراقبين والمشفقين أيضا، لقد أصدر الحزب بيانا جماهيريا يعلن فيه انسحابه من المفاوضات التي جرت بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، وينفض يديه عن الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية، وقد اعقب ذلك البيان بمؤتمر صحافي تحدث فيه السكرتير السياسي للحزب وبعض قادته شرحوا وأكدوا ما جاء في البيان.
ولقد بنى الحزب موقفه هذا استنادا على أن المجلس العسكري، هو اللجنة الأمنية لنظام البشير وبالتالي فهو يمثل امتدادا للنظام السابق، مهمته قطع الطريق على الانتفاضة الشعبية، والمحافظة على تركة النظام وجوهره، وعلى مكتسبات النظام السابق الأمنية والاقتصادية، وحماية رموزه، مع تغييرات شكلية لا تؤثر على طبيعة النظام.
هذا الموقف لا يتسق مع تطور الأحداث منذ أبريل، وبداية المفاوضات مع المجلس العسكري، حيث شارك الحزب الشيوعي بفاعلية في وفد المفاوضات ضمن قوى الحرية والتغيير، بل كان مندوبه أحد المفاوضين الأساسيين مع نفس المجلس الذي يرفضون الجلوس معه الآن، فلم تتغير طبيعة المجلس ولا افراده ولا مستشاريه. إذا كان رفض الحزب الشيوعي ينطلق من موقف مبدئي واستراتيجي كان عليه اتخاذ هذه الخطوة منذ البداية، وإعلان رأيه جهرا لقوى الحرية والتغيير وجماهير الشعب السوداني التي تتوق إلى التغيير السياسي والديموقراطي.
طرح الحزب الشيوعي جملة من المطالب والاستحقاقات من ضمنها: تصفية جهاز الأمن والمخابرات، وتحويله إلى جهاز لجمع المعلومات، تحسين الوضع الاقتصادي، محاكمة رموز النظام السابق، وتصفية جهاز الدولة القديم، تهيئة المناخ والأجواء لعقد المؤتمر الدستوري …..إلخ، كل هذه المطالب هي من صميم مهام الحكومة التنفيذية الانتقالية، وبقية هياكل الحكم الانتقالي.
الباشمهندس صديق يوسف هو احد مفاوضو قوى الحرية والتغيير، ممثلا عن قوى الاجماع الوطني والذي هو أحد مكونات قوى الحرية والتغيير، التي تضم كيانات وليس أحزابا. كان منطقيا ومتوقعا من الحزب الشيوعي أن يناقش وجهة نظره مع حلفائه سياسيا وأخلاقيا. ومن البديهي ومعلوم بالضرورة أن ممثل الحزب الشيوعي في (قحت)، من المفترض ألا يمثل شخصه أو حزبه، إنما يعبر عن الرؤية الكلية للتحالف الذي ينتمي إليه.
إن موقف الحزب الشيوعي الرافض للوثيقة الدستورية بشكل مطلق وعدمي، ودعوته للوقوف في موقف المعارض لقوى الحرية والتغيير يجعله يقف بين (يافطتين)، موقف مناهض لحكومة ومؤسسات السلطة الانتقالية المدنية، وكذلك يغرد خارج سرب تحالف قوى الاجماع الوطني، الشيء الذي يضعف تحالفه السياسي الاستراتيجي.
طرح الحزب الشيوعي قضايا الاستراتيجية والتكتيك، ومن ضمنها قضايا التحالفات والتي اصبحت الآن ضمن القاموس السياسي، كمفاهيم وكمنهج – كما ما تزال استراتيجية الحزب الشيوعي هي، بناء الجبهة الوطنية الديموقراطية كوسيلة لتحقيق مهام هذه المرحلة، وهذا ما أكده الشهيد، عبد الخالق ان التحالف لا يمكن أن يتم دون إشاعة وتعميق الديموقراطية بين مكونات الجبهة، الشيء الذي يستوجب على قيادة الحزب الشيوعي مناقشة مواقفه الأخيرة مع حلفائه قبل أن يفجرها منفردا في العلن. هذا الموقف سوف يقود إلى إضعاف حركة المقاومة السلمية وتفككها، وفيه إنكار لحقيقة أن الثورة قد حققت تغييرا كبيرا في هزيمة النظام الشمولي الاستبدادي وتحقيق الديموقراطية، وهو وإن لم يكن تغييرا جذريا كاملا إلا أنه الانتصار الممكن في ظل توازن القوى الداخلية والإقليمية والعالمية يقتضي التمسك بما تم وأنجز والعمل مع قوى التغيير الأخرى لاستكمال نواقصه وسلبياته حتى نحقق أهداف ومرامي الثورة واستكمال الطريق نحو فجر الحرية.
وبما أن الأشياء لا تنفصل عن بعضها، وإن السياسة في معناها البسيط هي إدارة شؤون الناس، أصدر الحزب الشيوعي مؤخرا وثيقة من ” مكتب النقابات المركزي ” يدعو فيها عضويته وبقية جماهير العاملين للتحضير والتعبئة لدخول معركة انتخابات ” نقابات المنشأ ” في سبتمبر المقبل. وللتذكير فإن نقابات المنشأ هي التنظيم النقابي الذي فرضه نظام الجبهة الإسلامية القومية بديلا للتنظيم النقابي الديموقراطي الذي كان سائدا إبان الديمقراطية، وقانون نقابة المنشأ هو تنظيم يضم في عضويته كافة الفئات التي تعمل بالمؤسسة أو المصلحة ” المنشأة الواحدة ” باختلاف وظائفهم ودرجاتهم بما فيهم المدراء والوكلاء وأصحاب العمل وبالتالي فالقانون يرفض ويمنع حق التعددية النقابية، كما يقتصر نشاطه على ترقية المهنة، ويسلب العاملين من حق الإضراب أو المساهمة في العمل العام.
ذكر محمد علي خوجلي، في كتابه: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين ص 293، ” نقابة المنشأ في السودان بصورتها القديمة 2001، أو بصورتها الجديدة 2010، سكتت عن عضوية شاغلي الوظائف الإدارية العليا والإشرافية في المنشأة وحقهم في التنظيم، حيث من غير المتصور، كما ينص قانون النقابات السوداني أن تتكون نقابة المنشأ من أصغر وظيفة حتى مدير المنشاة أو وكيل الوزارة. “إن شاغلي الوظائف الإدارية والاشرافية في المنشآت هم  ممثلون لصاحب العمل”.
نقابة المنشأة فرضتها سلطة الجبهة الإسلامية بغرض إضعاف النقابات والسيطرة عليها ومن ثم إجهاض مكتسباتها التاريخية، وفي مقدمتها استقلالية النقابات، وحق الدفاع عن حقوق أعضائها، وإلغاء دورها الوطني  واحتكار قياداتها والهيمنة عليها، فأصبحت نقابات المنشأ إحدى أبواق لنظام الدكتاتورية والاستبداد، ولكن تجاوزتها ورفضتها جموع العاملين التي ظلت تعمل وتناضل بمختلف الوسائل والسبل لبناء تنظيماتها المستقلة، ومنذ عام 2012، تمت الدعوة لقيام النقابات البديلة لنقابة المنشأ بوصفها الأداة التي تعبر عن مصالح العاملين بوصفها أحد أدوات النضال الشعبي لاستنهاض الجماهير وتنظيمها لإسقاط سلطة الشمولية والدكتاتورية الدينية. وبالرغم من ظروف القهر والاستبداد وقوانين القمع والتشريد ساهم الشيوعيون مع زملائهم الديموقراطيين والوطنيين في تأسيس نقابة الأطباء الشرعية ونقابة أساتذة جامعة الخرطوم على هذا الأساس.
إن ثورة ديسمبر جاءت تتويجا لنضال شعبنا وتضحياته الجسيمة، وفي مقدمته تجمع المهنيين السودانيين، والذي يعتبر شكلا متقدما من أشكال النقابات البديلة والموازية، وهو يضم الآن أكثر من 16 جسم نقابي وما زال يستقطب المزيد، وعقب سقوط الطاغية عمر البشير، وبضغوط من قوى الثورة الشعبية، أسقط المجلس العسكري، نقابات المنشأ وحل تنظيماتها، ولكنه عاد وحاول إرجاعها بهدف تحفيز وتنشيط عناصر نقابات المنشأ التابعة للحركة الإسلامية، في محاولة لقطع الطريق أمام الحركة الجماهيرية والنقابية للوصول إلى غايات الثورة لتصفية مؤسسات ورموز دولة الفساد والاستبداد، ولكنها أصبحت لافتات، بل لا هياكل وفعالية لها وانزوت إلى مزبلة التاريخ.
إن دعوة الحزب الشيوعي لتكوين نقابات استنادا على قانون نقابة المنشأ تجافي المنطق والواقع وحركة التاريخ وتسند ظهرها على مبررات وإرث قديمين، وهما الحرص على وحدة الحركة النقابية، والمركز الموحد للنقابات. لقد تجاوز الواقع والتاريخ هذا الافتراض، كما تجاوزته التجربة الإنسانية والنضالية حيث تشهد بعض الدول الديموقراطية أكثر من تنظيم نقابي كفرنسا وإيطاليا جنوب إفريقيا.
إن الإصرار على الوحدة ” المنشأ ” والمستند على تجربة النقابات في دول أوروبا الشرقية، ” الديموقراطيات الشعبية ” سابقا. وكما هو معلوم بالتجربة والبرهان فإن الوحدة التي يتم فرضها بقوة القانون لا يمكن أن تكون وحدة حقيقية، كما أنها تخالف مبادئ وإرث الحركة النقابية في السودان الذي اتسم بتعدد الأشكال النقابية في المؤسسة الواحدة، كما أن ذلك يتعارض مع المواثيق والمعاهدات الدولية التي تعتبر التعددية النقابية أحد أهم أسس الحرية النقابية وحرية الاختيار والتنظيم.
راجع اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 سنة 1987، وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – (حقوق الإنسان دراسة مقارنة في النظرية والتطبيق: د. أحمد الرشيدي)، فقوانين النقابات بصفة عامة تقتصر أحكامها على إيراد القواعد العامة، أما الأحكام التفصيلية فهي تصدر بقرارات من التنظيم النقابي حيث تجيز جمعياتها العمومية دساتيرها ولوائحها.
إن انتصار الثورة الشعبية كان بفضل عزيمة ووحدة وتماسك الجماهير، وفي مقدمتها تجمع المهنيين الذي هدم قانون نقابة المنشأ، علما أن السلاح الوحيد الذي تملكه الجماهير هو نقاباتهم ولجان المقاومة في الأحياء، ولذلك يجب أن نسرع الخطى في العمل على إعادة تأسيس وتكوين النقابات البديلة بناءً على دساتيرها المتوافق عليها من قبل أعضائها وجمعياتها العمومية. أو استنادا على قانون النقابات القديم تعديل سنة 1987، لأن الانتظار والارتهان لاستصدار قانون جديد للنقابات على أنقاض قانون المنشأ مرتبط بقيام وتشكيل هياكل السلطة الانتقالية التنفيذية والقضائية والتشريعية، والذي قد يستغرق زمنا قد يطول، لذلك جاء دستور منظمة العمل الدولية متضمنا مبدأ الحرية النقابية ويمنح العاملين حق التنظيم ولم يشترط صدور قانون ينظم ذلك الحق. أورد محمد على خوجلي في مصدر سابق ” الحق دون ترخيص مسبق في تكوين المنظمات الي يختارونها، وكذلك الحق في الانضمام إليها بشرط التقيد بلوائح هذه المنظمات “.

الحزب الشيوعي السوداني وإصلاح الخطأ (3)
  دأب السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني، وبصورة راتبة في مؤتمرات الحزب الصحافية الهجوم على الرأسمالية والإمبريالية العالمية بصورة تذكرنا بالأدب السياسي في فترة الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، عندما كانت استراتيجية  الحزب الشيوعي تدعي أن الصراع العالمي هو بين معسكرين: المعسكر الاشتراكي وحركات التحرر الوطني العالمية والأحزاب الشيوعية والعمالية في الدول الرأسمالية من جهة ضد الدول الرأسمالية والإمبريالية من جهة أخرى، إلا أن هذا الفهم قد تجاوزه الزمن وتجاوزته حقائق العصر والتطورات الهائلة التي حدثت على مستوى الوطن والإقليم والعالم. فلم يعد هناك معسكر اشتراكي حليف، فلقد انهارت كل أنظمة الحكم في أوروبا الشرقية وتفككت دولها بفعل التناقضات الداخلية والأزمات الهيكلية  وانعدام الديموقراطية وتفشي الفساد.
الدولة الوحيدة ذات النظام الشيوعي هي الصين أصبحت تنتهج نظام رأسمالية الدولة، وتقوم بأبشع أنواع الاستغلال الاقتصادي، وتدمير البيئة لدول العالم الثالث بصورة أكثر فظاعة وإجراما من الاستعمار التقليدي، كما انهزمت أنظمة حركات التحرر الوطني العربية والإفريقية وانحسر دور الديموقراطيين الثوريين في المنطقة، وبفضل انتصار الثورة العلمية التكنولوجية حدثت تطورات عاصفة في تركيبة الطبقة العاملة، ونتيجة لتطور وسائل الانتاج تضاءل وتراجع دور البروليتاريا التقليدي وصاحب ذلك نموا مضطردا للطبقة الوسطى واتسع تأثيرها في الحياة العامة والسياسية، كما تعاظم دور الدول في توفير وتوسيع الضمانات الاجتماعية وحماية الحقوق.
شهدت السنوات الأخيرة تدفق الملايين من شباب وشابات العالم الثالث إلى الدول الرأسمالية والذين أصبحوا يستجيرون بدول الاستكبار، حيث تستضيف هذه الدول أكثر من ثلاثة ملايين سوداني ومن بينهم مئات الشيوعيين، وفرت لهم هذه الدول الاقامة والاستقرار والرعاية والعيش الكريم. كما لا يفوتنا أن نذكر قادة الحزب الشيوعي بأن هذه الدول سهلت واستضافت جل اجتماعات ومؤتمرات أحزاب المعارضة السودانية، كما فتحت سفاراتها في الخرطوم أبوابها لوفود الأحزاب السودانية، وساهمت في قيام بعض منظمات المجتمع المدني، ومنظمات الإغاثة. ولا يفوتنا إلا أن نشيد ونشكر دول الاتحاد الأوروبي ودول الترويكا على وقوفهم ودعمهم السياسي والمادي والمعنوي للثورة السودانية، ونتطلع للمزيد من دعمهم في رفع العقوبات عن السودان، وتخفيض الديون وإلغاء أعبائها، ومنح القروض الميسرة، وذلك للمساعدة في رفع المعاناة عن كاهل شعبنا ومساعدته على النهوض في فترة الانتقال وما بعدها.
إذا كانت استراتيجية الحزب الشيوعي في مبتغاها هي هزيمة الامبريالية ودحر الرأسمالية العالمية، فإننا كشعب، وفي ظروف التخلف والفقر والمعاناة من ويلات الحروب والانهيار الشامل الذي حاق بوطننا لا نريد أن نزايد ونكون كالعنز التي تناطح الصخر، لأن السياسة يجب أن تتسم بالواقعية والموضوعية وأن تعلو مصلحة الوطن على أيديولوجية الحزب.
لقد اختار الشيوعيون السودانيون الإبقاء على حزبهم بشكله الكلاسيكي اسما ومنهجا وتوجها أيديولوجيا، وهذا خيارهم الديموقراطي الذي لا نهدف إلى منازلتهم فيه، بل نحترم خيارهم هذا وإن لم نكن على توافق معهم، ويحق للشيوعيين السودانيين أن يفتخروا بالمآثر التي جسدوها على أرض السودان، بالرغم من التضحيات الجسام والجراحات والقمع وقيود العمل السري الطويلة. ومكابر من ينكر تلك التضحيات أو ينكر دور الشيوعيين السودانيين الايجابي في الحياة السياسية والنقابية والذي أكسبهم ثقة واحترام وتقدير شعبهم، إلا أن عليهم أن يستيقظوا على حقائق العصر والمستجدات التي طرأت على الخارطة السياسية السودانية، وذلك لتصحيح المسار حتى يتمكنوا من لعب دورهم المناط بهم في الحياة السياسية وفي رسم ملامح مستقبل السودان.
لا يساورني شك في أن الشيوعيين مدركين للقضايا التي ستواجه السودان في فترة الانتقال، وهي قضايا شائكة ومعقدة، الصراع حولها بين القوى التي تتطلع إلى التغيير، والقوى المحافظة على القديم ستكون أشد ضراوة وأكثر حدة، وسوف يحتدم الصراع عند صناعة الدستور وصياغته، وفي مقدمة هذه القضايا: مسألة فصل الدين عن الدولة، وتأسيس الدولة المدنية، والصراع حول النظام البرلماني والرئاسي، وقضايا التطور الاقتصادي، وتفعيل دور القطاع العام والتعاوني وتأسيس دولة الرعاية الاجتماعية. كل هذه القضايا تستوجب توحيد وتمتين تحالف القوى الديموقراطية، مع توسيع الممارسة الديموقراطية وتعضيدها، مع احترام التباين والاختلاف داخل هذا التحالف.

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

*بيان هام: محاكمة البشير ورموز نظام الفساد والاستبداد*

Share this on WhatsApp💢 *نقابة أطباء السودان الشرعية* الشارع البيغلي ساعة يمد الايد لا بينفع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *