الإثنين , يونيو 24 2019
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / *أجندة السياسة الخارجية للسودان ما بعد دولة الإسلام السياسي* *نحو ثورة وطنية في العلاقات الخارجية*

*أجندة السياسة الخارجية للسودان ما بعد دولة الإسلام السياسي* *نحو ثورة وطنية في العلاقات الخارجية*

مبارك أردول
 
من المعلوم أن السياسة الخارجية لكل دولة تقوم على مرتكزات وتسعى لتحقيق أهداف محددة، تكون بعضها بعيدة المدى (إستراتيجية) وأخرى سريعة المكاسب، وفي كل الأحوال تعمل السياسة الخارجية على تحقيق مصالح الدولة المعنية وشعوبها وتحافظ على موقعها في الإقليم والعالم معاً، وبما ان هنالك حقائق يقف عليها مخططي السياسة الخارجية لكل دولة، وتتمثل في الاتي: لابد من الدولة الدخول في علاقات مع الإقليم والعالم وعلى القوى السياسية والمنظمات الشعبية التي تتولى رسم السياسة الخارجية ان تتحسب لذلك، وهي مسألة حتمية، ثانيا : تعتبر السياسة الخارجية انعكاساً للأوضاع الداخلية لكل بلد تتأثر سلباً او إيجاباً بها.
 
وبما ان الأوضاع في البلاد تمر بمراحل مهمة سيما بعد اسقاط النظام الإسلاموي عبر الثورة الشعبية التي أدت إلى عزل الرئيس المخلوع عمر البشير وسجنه مع كبار قادة الحزب الحاكم، وبالتالي خلخلة المنظومة الحاكمة (لن نقول اقتلاعاً بالكامل) التي سيطرت على الدولة على مدى ثلاثة عقود بنت خلالها أوضاع داخلية وعلاقات خارجية كانت مثار خلاف ورفض داخلياً وخارجياً، والتي تسببت في العزلة والعقوبات المختلفة والتأرجح بين مصالح الدولة والمنطلقات الايدلوجية لنظام الإسلام السياسي.
 
إن خلق عجلة جديدة في مضمار العلاقات الخارجية ستشوبه بعض الصعوبات كما ستقابله تحديات، وهذه الصعوبات والتحديات نراها طبيعية نتيجة عملية إعادة الترميم والترتيب للخارج الذي يعتبر ” كما ذكرت سابقاً ” انعكاس لإعادة الترتيب الداخلي والذي لم يكن سلساً على الاطلاق،بل أن إعادة الترتيب الداخلي والتفكيك للنظام كان نتاج  ثورة   داخلية أطاحت بالمنظومة الحاكمة ولم تتم عبر انتخابات او تنازل طوعي للحكم .
 
والترتيب في العلاقات الخارجية سيشهد ثورة وطنية ايضاً ، فضلا عن أن تقلب الاوضاع الداخلية أصبح لصالح الشعب وليس النظام، وستنشأ مجموعتان من المعارضة ، اولهما التي كانت تسيطر على الاوضاع سابقا ، وتعرف بـ(الثورة المضادة) ، ما يزال بعض افرادها يشغلون بعض المواقع في الدولة ، ويتحكمون في مؤسسات الاعلام والدعاية وبالتالي المؤسسات الخارجية من سفارات وبعثات وموظفي وزارة الخارجية ، وهذه المجموعة تسعى إلى إستمرارية الأوضاع كما هي للمحافظة على مصالحها الخاصة، كما ستعارضها المجموعات المتوجسة من كل جديد والتي لا تمتلك علاقات خارجية منفردة.
 
وتقوم السياسة الخارجية عبر التواصل (Engagement) المباشر مع الدول عبر آليات محددة من الدولة عبر وزارة الخارجية ووزارة التجارة الخارجية ومؤسسة المعونة الوطنية ووزارة الدفاع وكذلك عبر الدبلوماسية الشعبية، ولكن في حالتنا اليوم فإن تنظيمات ائتلاف تحالف الحرية والتغيير الذي يمثل قوى الثورة، عليه تبني ذلك بالتواصل المباشر وليس بالعزلة والتقوقع في قضايا الداخل وحده ، فالكثير من القضايا الداخلية لها ابعادها وفعاليتها  في الإقليم والعالم، ولما اعلمه في هذا الخصوص فإن الائتلاف ينقصه العمل الخارجي الموحد ولذلك تقوم كل المنظمات التي بداخله للتواصل الخارجي على نحو منفرد لتحقيق غايات تصب في مصلحة الشعب السوداني كل حسب تقديراته، ولكن هذا لا يكفي بل أن العمل المشترك الآن في المجال الخارجي اصبح ضرورة حتمية.
 
من هذه المقدمة والواقع الذي ذكرته يمكنني ان احدد بعض المرتكزات والاجندة التي ينبغي ان تقوم عليها سياستنا الخارجية في هذه الحقبة ( بعد اسقاط النظام) وبعد دولة الإسلام السياسي، لكي تنهض بلادنا وتتعافي ويكون لها دور  فاعل في الاطار الإقليمي والدولي، ولتعيد تموضعها في العلاقات الدولية وفق موقعها الجيو-سياسي ومواردها وعراقة تاريخها واصالة شعبها.
 
هذه الاجندة تكون مبوبة ومدرجة من الأكثر أهمية ثم الأهم ثم الأقل أهمية، بحسب الترقيم، كالنحو التالي:
 
(1)                  تحقيق انتقال الحكم من المجلس العسكري الي سلطة مدنية.
(2)                  انهاء الحرب وتحقيق السلام.
(3)                  التحول الديمقراطي وسيادة حكم القانون وحماية حقوق الانسان.
(4)                  الاستجابة العاجلة للأزمة الاقتصادية.
(5)                  تفكيك الدولة العميقة.
(6)                  الالتزام بمبادي القانون الدولي والانضمام للمعاهدات والمواثيق الدولية.
(7)                  المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي والحرب على الإرهاب ومعالجة ملف الهجرة.
 
في الحقيقة لا استطيع ان اخفي على القارئ الكريم انني بعد أن وضعت تلك الأجندة صعب علي تبوبيها، ايهما اهم على الأخرى، حتى تتمكن من اعتلاء سلم الأولويات نسبة لحضور أي بند وضرورته، ولكن على كل تقف هذه الاجندة السبعة كأولوية حالية يجب ان تتكي عليها سياستنا الخارجية لتتفاعل بها مع بقية شعوب وحكومات العالم.
 
 
تحقيق انتقال الحكم من المجلس العسكري الي الحكومة المدنية:
 
تلعب هذه القضية دوراً محوريا في راهن اليوم وبعد الحادي عشر من ابريل الماضي، حيث اسقطت الجماهير نظام الحكم بقيادة قوى التغيير النظام وتسلم المجلس العسكري الانتقالي مقاليد السلطة ، وهو حالياً يتفاوض مع قوى الحرية والتغيير كأحد اهم ائتلاف معارض ساهم في قيادة ثورة ديسمبر 2018، وينحصر التفاوض حول الهياكل التي تقوم عليها الفترة الانتقالية ومدتها ومهامها وصلاحياتها والعلاقة بين هذه الهياكل ،وكذلك الاتفاق لاحقا على من يشغلونها، وبما انها تبدو قضية عابرة ولكنها مفتاحية تؤسس إلى عملية الانتقال إلى سلطة مدنية تحقق اهداف معينة متفق عليها ، من بينها اكمال عملية انهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل والتحول الديمقراطي والاستجابة للأوضاع المعيشية الصعبة والتدهور الاقتصادي، والمجلس العسكري لا يجب ان يحكم الفترة الانتقالية ولا يجب علهي ان يجري انتخابات مبكرة لأنها ستصب مباشرة في مصلحة النظام السابق، فالنظام الذي حكم الفترة الشمولية لثلاثة عقود دمر فيها كل البنيات التحتية وكذلك الفوقية للأحزاب والمؤسسات الديمقراطية، والتعجل لهذا الخيار هو مجرد تسليم للسلطة إلى من هم كان حزبهم يعمل منفرداً طيلة الثلاثين عاماً.
 
من خلال التواصل مع دول الجوار والاقليم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سيتم التعرف على مواقفها من قضية انتقال الحكم ، ومن المتوقع أن تكون هنالك ثلاث مجموعات، يمكن تصنيفها كالآتي: مجموعة الدول التي تؤيد عملية الانتقال وكذلك تدعمه، تقع هذه المجموعة في خانة الدول الحليفة والصديقة للشعب وثورته وبالتالي يجب التواصل معها دون تردد، واما المجموعة الثانية فهي الدول المترددة من عملية الانتقال نتيجة تخوف من انزلاق الأمور الي الأسوأ ، وترددها نابع ربما من عدم امتلاكها للمعلومات الدقيقة عن قوى التغيير ، وعليه يجب بذل المجهود معها لكي تغير من موقفها ، ولكن المجموعة الأخيرة التي تقف ضد عملية الانتقال تماماً لموقفها من عملية التغيير نتيجة مصالحها المرتبطة مع النظام السابق او لمواقف ايدلوجي لصالح الإسلاميين الحاكمين ، وهذه المجموعة سيكون التعامل معها مختلفاً ، ويفضل ابعادها وعزلها من الدخول في شؤون البلاد لأنها ستعمل على تقويض الأوضاع الجديدة .
 
إنهاء الحرب وتحقيق السلام:
 
لقد دخل السودان بالفعل في حقبة جديدة بعد ١١ ابريل وهذا يتطلب تعامل جديد مع أوضاعه الداخلية وعلاقات تجاوب الدول معه، وعلى تنظيمات الكفاح المسلح من الجبهة الثورية ان تفكر في ان الحقبة الحالية توفر فرصة لتحقيق أجندة انهاء الحرب وتحقيق السلام وعودة الاستقرار الداخلي، لان النظام الذي رعى وخاض الحرب لم يعد موجوداً ولا مؤثراً اليوم، وتتصدر أجندة الانتقال الحالية على مسألة الحرب والسلام ، لجهة أن الملايين من السودانيين في مدن وريف ومعسكرات اللجوء والنزوح يعتبرون تحقيق هذا البند  قضية جوهرية، ولذلك الدول التي تدعم انهاء الحرب وتحقيق السلام وتساهم في الاستقرار والاستجابة لمطلوباته من وساطة بين اطراف الحرب وايضا كأطراف ضامنة للاتفاقيات التي ستوقع وكذلك كجهات مانحة وداعمة لعملية تحقيق السلام وإعادة اعمار ما دمرته الحرب ستكون في خانة المجموعة الاولي التي ذكرتها أعلاه.
وفي هذا البند لن تكون هنالك مجموعة مترددة بل اما دول تقف مع انهاء الحرب وتحقيق السلام او تقف مع استمرار الحرب ودعم اطرافه بالسلاح والمال وبث الدعاية المضادة لخطاب التوافق والسلام والوحدة والمصالحة، وتهيئ الدعاية المضادة أجواء التشاحن والفرقة بين الأطراف السودانية، سيما بين حركات الكفاح المسلح والمجلس العسكري من جهة او السعي لتفكيك ائتلاف قوى الحرية والتغيير من جهة أخرى، هذه المجموعة يجب ان تحاصر بلا هوادة لأنها ستكلف شعبنا موارده البشرية والمادية ولا مجاملة في هذا الامر.
 
التحول الديمقراطي وسيادة حكم القانون وحماية حقوق الانسان:
 
قضية التحول الديمقراطي وسيادة حكم القانون وحماية حقوق الانسان قضية ذات بعدين مرحلية وبعيدة المدى، فالمرحلة الحالية تتعلق حول بند نقل السلطة من المجلس العسكري الي السلطة المدنية والتي تدير المرحلة الانتقالية بالتشارك مع المجلس العسكري، تتم فيها بناء المؤسسات وسن التشريعات التي تدعم الانتقال من الشمولية الي الديمقراطية وإلغاء قوانين الشمولية ومحاصرة بؤرها داخل الدولة، أولها مؤسسات النظام الأمنية، فجهاز الامن يجب ان يعاد هيكلته ليكون جهاز يحمي مصالح كل السودانيين ويعبر عنهم وليس مصالح دولة الحزب الواحد ، وكذلك تتم عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة وبناء عقيدة قتالية جديدة وتحويله من جيش التمكين الي جيش وطني يحمي الدستور والتوافق الوطني والمواطن السوداني وحدود البلاد، بدلا من الانخراط في حروب داخلية كما الحقبة الفائتة، كذلك جهاز الشرطة ودمج جيوش حركات الكفاح المسلح في الجيش الوطني الجديد (وفق البند السابق) وحل المليشيات ليكون السلاح في يد الأجهزة النظامية وحدها. 
وعلى المدى البعيد نرى ان لهذه القضية أهميتها ونتائجها المباشرة في الاستقرار السياسي والمجتمعي والازدهار الاقتصادي وتجفيف مصادر الحروب، وبالتالي الدول التي تدعم التحول الديمقراطي هي التي يجب ان يمد يد التعاون معها وغيرها فإنها تريد أن تعودنا للحقبة الشمولية والحروب الفساد والاستبداد.
اما في يتعلق بقضية حماية حقوق الانسان وهي جزء متداخل مع  البند السابع وهو الالتزام بالمبادئ القانون الدولي،وعلى المدى القريب ترتبط هذه الجزئية بوثيقة الحقوق المدنية التي تسن ويتم تطبيقها وحمايتها، والتي يجب ان تتضمن حقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها ووفق المواثيق الدولية، تهيكل مؤسسات الدولة  من أجهزة نظامية وعدلية من اجل حماية حقوق الانسان ومن اجل تمكين سيادة حكم القانون، ولكن في المدى البعيد يطور هذا البند بشكل يحفظ صورة البلاد الناصعة في المجتمع الإنساني.
 
 
الاستجابة العاجلة للأزمة الاقتصادية:
 
كما هو معلوم ان النظام السابق قد افلس الدولة وادخلها في ازمة اقتصادية حادة لا تستطيع الاستجابة حتى لتكاليف تشغيلها وإدارة نفسها ورعاية العاملين بها مثل دفع الرواتب وتحمل المنصرفات الإدارية وغيرها، ناهيك عن بنود التنمية ومكافحة الفساد وبقية المنصرفات في المشاريع الإنتاجية والبحث العلمي، لقد جفف النظام بل خرب كل مصادر الإنتاج فإبتاع جزء منها واهمل اغلبها.
هذه القضية في العادة لا تتم دون مجهودات وفق مسارين الاولي : داخلياً يتعلق بإعادة هيكلة الاقتصاد والمال بشكل يضمن الصرف في بنود التنمية والخدمات وضمان التوزيع العادل للثروات ولصالح كل شرائح المجتمع خاصة الفقراء، والمسار الثاني : خارجياً ويتعلق بتقديم مساعدات ومعونات خارجية من الدول الصديقة والتي يهمها استقرار البلاد وتنميته ورفاه شعبه، وهذا إصلاحات جوهرية  في نمط العلاقات الخارجية تجاه الدول والتكتلات الدولية التي اتخذت إجراءات عقابية سابقاً وذات طابع اقتصادي على السودان خلال حقبة النظام السابق، فهنالك أنشطة متعددة يجب تنفيذها من بينها :
 
·      ملاحقة الأموال المهربة التي تمت في عهد النظام السابق.
·      عقد مؤتمر لإعادة اعمار اقتصاد البلاد او لمساعدته تتضن منح البلاد منح (Grant) وفي اسواء الأحوال قروض وديون (Loans).
·      عقد مؤتمر استثماري لتنشيط الاستثمار في البلاد تضمن ذلك مراجعة العقود القديمة.
·      المساعدة في حل الديون الخارجية او جدولتها بشكل مريح.
·       رفع كل الإجراءات العقابية ضد البلاد مثل ازالته من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتذليل الإجراءات المالية والاقتصادية المتعثرة بسبب ذلك.
   
وفق الأنشطة والأهداف أعلاه تكون هنالك دول راغبة ومستعدة لمساعدة السودانيين للعبور من أزمته الإقتصادية الحالية وتحويل السودان لبلد منتج ومساهم في الاقتصاد والسوق العالمي بدلا ًعن ضعيف  ومثقل بالديون ومتلقي للإعانات والمساعدات والقروض ومتأزم اقتصادياً، فقوى الحرية التغيير السودانية بحاجة الي التفكير بعميق واتزان وليس بتهييج للعواطف والتخوين وإدخال العلاقات الخارجية مضمار المزايدات والمكاسب الحزبية الضيقة.
 
قد يدخل هذا البند في العلاقات الخارجية العديد من الدول بغرض مساعدة البلاد ومن بعدها السيطرة على القرار السياسي وتوجهات البلد وغيرها ، وهو (دس السم في الدسم) وقد عرف سابقاً بدبلوماسية الدولار، للرئيس الأمريكي السابق وليام هاوارد تافت الذي عرف وابتدع السياسيون والخبراء المعارضون لسياسته، مصطلح (دبلوماسية الدولار) وذلك في معرض الإشارة إلى جهود الولايات المتحدة الأمريكية الهادفة آنذاك في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا بشكل رئيسي إلى استخدام القوة الاقتصادية عن طريق توفير الضمانات للبلدان الأجنبية في عملية الحصول على القروض والتسهيلات القصيرة والوسيطة والطويلة الأجل.
 
وبما ان الازمة الاقتصادية تظل شاخصة امامنا وتلقي بظلالها على معاش المواطنين ونهوض الدولة، وبما ان البلاد مصنفة من ضمن الدولة المثقلة بالديون أيضا من المؤسسات المالية الدولية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من أندية الدائنون، فالاتزان مطلوب هنا لكي لا تقع البلاد في فخ دبلوماسية الدولار، او العزلة والتفكك والفشل، فالاتزان يكون بين تحقيق الاجندة الأخرى في السياسة الخارجية وكذلك الاستفادة من المساعدات الاقتصادية للدول الصديقة دون ان يأثر ذلك على قرار وسيادة البلاد.
 
تفكيك الدولة العميقة:
 
الدولة العميقة بنتها الحركة الإسلامية خلال ثلاثين عاماً او بالأدق بعد المصالحة الوطنية في ١٩٧٧م مع نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري واستمرت في بناءها حتى انقلابها في ١٩٨٩م ،وبلغت قمته بعد تبني سياسة التمكين في حقبة التسعينيات، حيث تمت تصفية الدولة من كل العناصر التي لا تنتمي الي مجموعة الإسلاميين الحاكمة ،وفي كل القطاعات الحكومية وكذلك القطاع الخاص، وأتت بمن ترضى عنهم بديلاً لهم، وهم الذين يشكلون الأغلبية في الخدمة المدنية والعسكرية والأمنية الحالية .
 
تمثل هذه الدولة العميقة مصدر خطر على ثورة الشعب السوداني، لفكرها الانقلابي الذي لا يقبل بالتعددية وبالآخر المختلف، ولما لها أيضا من ارتباطات بمحاور إرتبطت بالإرهاب في الخارج تمدها بالمال والدعاية الإعلامية والعلاقات الدبلوماسية وغيرها، وربما بالسلاح لاحقا اذا تطلب الامر، لذلك الدول التي تقف موقف واضح ضد دولة الحركة الإسلامية العميقة التي فسدت واستبدت خلال الثلاثين عاماً يجب التعاون معها، والمحاور الخارجية التي كثر الحديث عنها هذه الأيام هي ليست من صنيعة قوى الحرية والتغيير ولا جاءت بسبب ثورة الشعب السوداني، بل خلقتها الظروف الإقليمية والدولية من حولنا في حالة وجودنا من عدمه .
 
ولعب النظام السابق ذو خلفية الإسلام السياسي بين هذه المحاور، حيث سبق ان كان مع المحور الإيراني القطري التركي وهو المحور الايدلوجي الذي دعم دولة الإسلام السياسي في السودان طيلة سنين حكمه وفساده واستبداده والتي تتمثل اليوم في الدولة العميقة، وفي ذات الوقت تريد ان يكون التغيير اسلامويا قحاً حتى بعد ذهب البشير، في نفس الوقت ذهب النظام مع الامارات والسعودية ومصر من اجل الدعم المادي لعله يستعيد قوته بعد الازمة الاقتصادية التي تسبب فيها بسياساته وسوء ادارته، كان النظام السابق مثله مثل الرجل الذي تواجد في معركة صفين التي وقعت بين الخليفة علي ووالي الشام معاوية ابن أبي سفيان الذي تمرد وخرج عن طاعة الخليفة، حيث كان يصلي خلف علي عند حلول وقت الصلاة ويأكل من طعام معاوية وقت الطعام، وكان تبريره لما يفعله ان ( الصلاة خلف علي أقوم وأتم، والطعام مع معاوية أدسم).
 
فقوى الحرية والتغيير لا مصلحة لها مع المحور الذي وقف خلف النظام طيلة سنوات حكمه ، ومازال يدعم الإسلاميين لكي يكونوا التغيير غض النظر عن ثورة الشعب السوداني وتضحياته ضدهم، بل تقتضي الضرورة لمد يدها بلا مواربة مع كل التحالفات والتكتلات الإقليمية والدولية التي تلاحقهم في الخارج والداخل، فقط لكي لا تعود سنون الإنقاذ وفسادها مجدداً علينا وللحفاظ على مصالح وحقوق شعبنا.
 
الالتزام بمبادي القانون الدولي والانضمام للمعاهدات والمواثيق الدولية:
 
ظلت مبادئ القانون الدولي ومؤسساته على الرغم من تأرجحها عنصراً مهما في خلق الاستقرار الدولي والمحافظة على النظام العالمي، ولكن ظل النظام السابق يتخذ موقفاً معادياً منها ومن الاتفاقيات التي صدرت منها، مثل إكمال الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية والتوقيع على ميثاق روما وكذلك اتفاقيات وقف كآفة اشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من المعاهدات والمؤسسات التي اتخذ النظام موقفاً ايدلوجيا منها او نتاج مخاوف ارتبطت برموزها.
لذا سياستنا الخارجية الحالية يجب ان لا تبنى على الشراكة والتعاون مع مؤسسات ومنظمات المجتمع الإقليمي والدولي فحسب بل يجب ان تمتد لتقويتها وتفعيلها  للقيام بواجبها، هذه المؤسسات لا يجب ان (تخم) جملة واحدة بل هنالك مؤسسات إقيمت لتمكين وتمتين الفوارق الاقتصادية والسياسية بين شعوب العالم يجب العمل مع المجموعات التي تسعى لإصلاحها.
 
المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي والحرب على الإرهاب ومعالجة ملف الهجرة:
 
يعتبر هذا بنداً مهماً لكي نضمن استقراراً داخلياً في بلادنا علينا ان نساهم في تجفيف مصادر النزاعات التي تصدر لدول الجوار الإقليمي في داخل بلادنا، والمعلوم ان النظام اشترك في حروب إقليمية واؤى حركات معادية لدول الجوار وكذلك المنظمات المتطرفة، وظل يتلاعب بملف الهجرة مع الأوروبيين بأشكال مختلفة من اجل الابتزاز السياسي والاقتصادي، والسياسة الجديدة حيال هذه الملفات يجب ان تقوم بشكل قاطع ومبدئي، بأن لا دعم الا من اجل السلام والاستقرار وان لا مكان للمنظمات الإرهابية المتطرفة  في السودان وأيضا المساهمة في السلام والاستقرار السياسي والاقتصادي سيقلل من نسبة الهجرة الي أوروبا (لجوء او هجرة غير شرعية).
 
الشعب السوداني ومعه قوى الحرية والتغيير عليهما التوجه لخلق عمل جماعي خارجي بأجندة سياسة موحدة كما اقترحتها للحذف او الإضافة او التعديل وحتى الاستبدال، وكذلك بناء فريق عمل منسجم بدلاً من العمل الفردي لكل تنظيم على حدة والربكة التي دخلنا فيها، يعزف كل منا مقطوعته منفرداً في أجندة السياسة الخارجية، ويستغل البعض الاخر الراي العام الداخلي  لمحاربة الفاعلين في الخارج .
 
وقاصر من يعتقد أن النظام يواجهه في الداخل فقط وليس له امتدادات خارجية او يترك له الخارج ليمرح ويسرح، وغافل أيضا من لا يبحث عن حلفائه وأصدقائه في الخارج ويعتقد انه لوحده فقط سيتمم المعركة او يتخذ سياسة العزلة والحردان، فالخارج قد عملنا فيه لعزل النظام فلا يجب ان نتركه لهم لترتيب الثورة المضادة وعزلتها.
 
اختم مقالتي هذه بموقف للرئيس الأمريكي الأسبق ودرو ويلسون في العشرينيات من القرن الماضي حيث كان يريد ان تكون الولايات المتحدة الامريكية فاعلة في الاطار الدولي وتصبح عضوا في منظمة عصبة الأمم حينها، لكن خصومه – قصيرو النظر- اشتغلوا ضد سياسته في الراي العام الداخلي كمكايدة حزبية حتى اسقط المشرعون ورفضوا عضوية أمريكا في عصبة الأمم ، ولكنهم في الاربعينيات أكشتفوا خطاءهم وعالجوه بتأسيس منظمة الأمم المتحدة الحالية، ليكونوا فاعلين في العالم الخارجي كما خططها لهم رائد المذهب الويلسوني.
 
لعلينا ان نعلم اذا لم نكونوا فاعلين وواضحين في الاجندة الخارجية ، لا احد في العالم سينتظرنا او ستتحرك الرمال ضد إرادتنا، واسقاط النظام معركة ذات بعدين تبدأ في الداخل وتكتمل في الخارج.

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

*أخطر تسريب موثوق من مصدر داخل المنظومة

Share this on WhatsAppتسريبات من مصادر خاصة وموثوقة ونتحمل مصداقية هذه الاخبار تماماً: *-مجزرة فض …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *