الخميس , ديسمبر 12 2019
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / 💥 حراك الجوع والكرامة في السودان

💥 حراك الجوع والكرامة في السودان

الشفيع خضر سعيد

في أيلول/سبتمبر 2013، نفّذ النظام السوداني ما أسماه الخطة «ب»، والتي أزهقت أرواح أكثر من مئتي فتى من الشباب الذي خرج إلى الشوارع، متسلحا فقط بهتاف الحناجر، مناديا بسقوط الجوع وضنك العيش، ومطالبا بالخبز والكرامة. واليوم، قد يتوهم النظام أن ذات الخطة «ب»، مقرونة برهانه على ضعف أحزاب المعارضة وما تعانيه من صعوبة حقيقية في إستنهاض المواطنين للحراك الجماهيري، أسكتا صوت المقاومة وأخمدا جذوتها، وأنه، النظام، يمكنه التمادي في غيه، بل وفي إستفزاز الشعب، عندما تتمخض إجتماعات قيادة الحزب الحاكم، لا عن قرارات تتصدى لبوادر الانهيار الاقتصادي في البلد، وإنما تشكر الشعب السوداني على صبره وتحمله الموت جوعا. لكن، ربما هذه القيادة لا تعلم، أن من خلف جدار الصمت تموج وتمور جزيئات الغليان المؤدية حتما إلى الإنفجار، وأن ذاكرة التاريخ تختزن نماذج ناجحة ومنتصرة لثورة الجياع والمحرومين، حتى وإن كان لا قيادة لها.
والسودانيون اليوم، باتوا على قناعة تامة بأن المجموعات التي فرّخها نظام الإنقاذ، من الرأسمالية الطفيلية وشرائح المنتفعين وسماسرة المال العام، لن تتنازل، طواعية وإختيارا، عن مال السحت والنهب، ليتوقف إنحدار البلاد نحو الهاوية، وليعود مال الشعب إليه، ولتسود الرقابة والمحاسبة والشفافية في كل النشاط الاقتصادي في البلاد. وهذه القناعة، تتعزز بما جرى مؤخرا في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، إذ إنهارت، قبل أن تبتدئ، جولة البحث عن السلام وعن مخارج الأزمة المستفحلة في البلاد. لكن، سيخطئ من يظن أن هذا الإنهيار لا علاقة له بما يحاك تجاه السودان، أو أربك حسابات هذه الحياكة. بل هو، في الحقيقة، أصل وليس فرعا في نسيج هذه الحياكة!. كيف؟!
أصلا، لم تُعقد أي محادثات، مباشرة أو غير مباشرة، بين وفدي الحكومة السودانية والمعارضة ممثلة في تحالف نداء السودان، وإنما عُقدت جلسة مشاورات قصيرة بين الآلية الإفريقية المناط بها التوسط بين الحكومة والمعارضة، ووفد ثلاثي من المعارضة ضمّ السيد الصادق المهدي، رئيس نداء السودان، والسيد مني أركو مناوي، الأمين العام، والسيد عمر الدقير، رئيس وفد التفاوض لنداء السودان. وحتى جلسة المشاورات هذه إنهارت بمجرد إلتئامها لتباعد المواقف بين الطرفين حول الهدف من العملية كلها ومن سيشارك فيها. وهذه مسألة تحتاج منا إلى نقاش تفصيلي، لكنها ليست أولوية بالنظر إلى حالة الغليان اليوم في البلاد. لكن، من المهم جدا الإنتباه إلى ما جاء في خطاب الآلية الأفريقية، متطابقا مع موقف حكومة السودان، من تحديد قاطع لأهداف أي عملية تفاوضية بين الحكومة والمعارضة، ودعوتها المعارضة للتركيز في عملية إعداد الدستور وإنتخابات 2020.
أعتقد أن هذا الإنهيار ربما كان مخططا له، وهو بالتأكيد مرحب به، بإبتسامة خبث ومكر عند الذين يحيكون شيئا تجاه السودان، وبإبتسامة الغفلة والجهالة عند البعض من قادة البلاد، وجميعهم يمني النفس بإنجاز إتفاق وشيك في المفاوضات الجارية بين الحكومة وحركات دارفور المسلحة، وفي المفاوضات المتوقعة بين الحكومة والحركة الشعبية/شمال بعد أن يتم إما توحيدها أو القضاء على أحد جناحيها، وفي التفاهمات المتوقعة، حسب إشارة رئيس وفد الحكومة المفاوض، مع حزب الأمة، بعد عودة السيد رئيس الحزب إلى البلاد، إذا رضي الحزب بذلك، وهل يرضى؟!. ولكن، لنترك الآن، مؤقتا، أمر الحياكة وسيناريوهاتها المتعددة، ولنركز على ما يجري اليوم في البلاد، والذي إذا ما وصل إلى أي من نهاياته المتوقعة، سيقلب طاولة ما يُحاك ومن يحيكون رأسا على عقب.
لن يُجدي كثيرا محاولة الالتفاف على مسببات الانهيار الاقتصادي في البلاد، بنسبه إلى «جهات ما» إو إلى تقصير إداري وإجرائي، فهذه محاولة لبيع الوهم. وغض النظر عن السبب، فإن المسؤول الأول في نظر الشعب هو النظام بممارساته وسياساته التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع القاتم. النظام يلهث بعجلة تسارعية ليحظى بزمن إضافي في دست الحكم، لكن الشعب يتحرك بعجلة أسرع لتحقيق مطالبه في الحياة الكريمة. ونتيجة لتشابك العلاقة بين هذين الجسمين المتحركين وتضاد إتجاه حركتهما، لابد من الاصطدام وإن طال الزمن. لكن لن يطول الزمن كثيرا، فالشعب وصل مرحلة لا يمكنه فيه إحتمال ثقل ما ينوء به كاهله، فإما أن ينفجر في أي لحظة، أو يظل متحفزا وينتظر برهة حتى يكتمل تساقط أركان النظام كأوراق الخريف الجافة. وفي الحالتين، وفي غياب الحراك المنظم والقيادة الواعية، سيكون الثمن باهظا، فمن يتقدم الصفوف ليقود وينظم؟.
والبعض، ولتدارك وقوع البلاد المفاجئ في أتون الإحتمالات المرعبة، يقترح صادقا، على كل الأطراف في المعارضة والحكومة، التقدم، اليوم وليس غدا، بطرح مبادرة وطنية خالصة للإلتقاء والحوار لوضع خريطة طريق سودانية لتسوية تاريخية شاملة، بعيدا عن أي وسطاء، دوليين أو إقليميين، وبعيدا عن أي حلول أو إجتهادات تأتينا من الخارج. ولكن السؤال الرئيس هنا: هل توجد كتلة قوية ونافذة داخل السلطة الحاكمة تؤمن حقا بالحوار والتفاوض كآلية للخروج الآمن بالبلاد من أزماتها، إذ بدون بروز هذه الكتلة النافذة والقوية، ستظل هذه الآلية كسيحة وعاجزة؟. ومع أني، شخصيا، لا أرى أثرا لهذه الكتلة، وحتى إن وجدت، فهي ضعيفة وغير مؤثرة، فإن هذا لن يدفعني إلى رمي هذا الإقتراح في سلة المهملات، وأدرك أنه، وغيره من السيناريوهات، لن يُكتب لها النجاح، بمعنى حل أزمة البلاد، إلا إذا كان الطرف الآخر متماسكا، منتظما في مركز واحد، وتحت قيادة واحدة، تخطط وتعبئ وتناور، بعيدا عن توافه الأمور ومناصبة العداء مع رفاق الخندق الواحد. ومع ذلك، تظل الحقيقة ساطعة: لا شيء يهزم الطغيان، غير إرادة جماهيرية قوية تتلمس طريقها لوضع الأمور في نصابها، ولا بديل، سوى الضغط…، والضغط الجماهيري، حتى ترحل الشمولية، ويتفكك تحالف نظام الفساد الاستبداد.

كاتب سوداني

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

بيان مهم من الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال/ ولا ية غرب دارفور- الجنينة

Share this on WhatsAppإيماناً منَّا برؤية السودان الجديد التي تنادي بها الحركة الشعبية لتحرير السودان- …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *