الأحد , سبتمبر 23 2018
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / في تقسيمات المعارضة  ودوافع وتكتيكات ومآلات تحالفاتها (٢).

في تقسيمات المعارضة  ودوافع وتكتيكات ومآلات تحالفاتها (٢).

ذكرنا في الجزء الاول وبتتبع تاريخي أزمة التحالفات الراهنة متخذين تحالف نداء السودان كمثال  ،والآن نبين في هذا  الجزء بشكل تفصيلي مآلات التحالفات الراهنة،  يسبقه شرح  لأنواع التحالفات، وهي محاولة مني لتبيانها وفق تقسيماتي الخاصة.
التحالفات في فهمها البسيط هي نوع من التوافق أو التلاقي او التنسيق لإنجاز فعل أو مهمة أو برنامج معين، هذا التوافق اما ان يكون في أطر
فكرية
سياسية
برامجية.
وأعمق انواع التحالفات  وارسخها هو المبني علي أطر فكرية، وبعدها ياتي التقسيم المعروف من تحالفات تكتيكية أو استراتيجية او مرحلية او غيرها من تسميات.
وفقا لهذا التقسيم فان التحالفات المبنية علي توافق فكري هي الأكثر قدرة علي الصمود  والنجاح وإنجاز مطلوبات تحالفها،غض النظر عن طبيعتها الإسمية،لان الأفكار هي الأسمي وهي التي تتتنزل إلي برامج سياسية،وحري بنا هنا أن نقول أن أي تحالف  قائم علي إختلافات فكرية عميقة مصيره الفشل والتلاشي، فمثلا لا يمكن أن يتحالف من يدعو إلي قيام دولة مرتكزة علي الدين والشريعة  أيا كان فهمه للدين ومنطلقات فهمه سوا تأصيل او تجديد أو صحوة اسلامية او خلافة أو غيرها،أن يتحالف  مع اخر يتبني دولة علمانية  لأن هذا النوع من التحالف قائم علي تضاد  الفكرة،والفكرة  أو الأفكار هي الأصل، والبرامج السياسية وغيرها ماهي الا تنزيل لهذه الأفكار،فلا يستقيم أن تختلف في الأصل لتتوافق في الفروع! فهذا  إما خداع مزدوج، أي كل يخدع الآخر أو حرث في بحر. ومن هنا يأتي  صراع الاضداد في الفكرة أي في المستوي التنظيري والأخلاقي، وبالقطع سيتنزل هذا الصراع  الي مستوي السياسات والبرامج، وكمثال لذلك تحالف نداء السودان، الذي  تتباين وتتباعد منطلقات مكوناته فكريا واستراتيجيا،فمثلا  حزب الأمة وزعيمه الصادق، ينادي منذ ستينات القرن الماضي ببرنامج الصحوة الاسلامية ويرتكز جماهيريا علي طائفة الأنصار،التي تنتمي عقائديا للإسلام السني التقليدي ،وكثير منهم يعتقد في مهدوية المهدي، اي انها تتحرك وفق ثنائية العروبة والاسلام في فضاء إيديولوجي طائفي ووعي أوليغارشي لأسرة متحكمة ومسيطرة في هذا  الفضاء ،والصادق  المهدي صرح مرارا وتكرارا أنه ضد التغيير العنيف، والتغيير الجذري لهيكل الدولة السودانية،لانها تعني الفوضي، وفي نظره أي اعادة للبناء وفق أسس عادلة ومنطقية وموضوعية هي فوضي،  ونادي بإصلاح النظام لا تغييره لأنه يعلم يقينا أن التغيير الجذري ليس من مصلحته ولا مصلحة أسرته ولا طائفته،وهذا ما بيناه في الجزء الأول،في الجانب الآخر  من هذا التحالف  هناك تنظيمات  تنادي بالتغيير الجذري لهيكل الدولة السودانية  وإعادة هيكلتها أو هكذا تطرح برامجها وأفكارها علي الملأ  ، وتتبني خطا علمانيا،كمثال الحركة الشعبية التي يقودها عقار  وحزب المؤتمر السوداني وحركة تحرير السودان قيادة مني وهذه تنظيمات يمكن أن نطلق عليها علمانية،و من هنا تنشأ  الإختلافات في القضايا  الكبيرة والمفصلية والحساسة، وهذا الشي واضح وجلي في كثرة الإختلافات والتصريحات المتضاربة  التي ما فتئ يطلقها رئيس النداء ، ويتم ترقيعها والتبرير لها وإعادة بثها من بقية مكونات هذا التحالف ،كتصريحه بترك الحركات لسلاحها، وتصريحاته عن المحكمة الجنائية، هذا يبين ما ذكرناه من تضاد الافكار  وتبعاتها علي السياسي  والبرامجي ويوضح أن هذه المكونات ذات  أبعاد برادايمية متباينة تباينا عميقا ومختلفة إختلافا جوهريا.

الشي المهم أن هكذا أنواع من التحالفات تؤثر علي مصداقية كثير من التنظيمات أمام  جماهيرها وأمام  العامة، فهي إما أن تطوع  وتبدل فكرها من أجل مواءمة أفكار وسياسات هذا التحالف، وبذلك تكون قد تخلت عن مبادئها ومرتكزاتها وأصبحت تنظيمات برغماتية انتهازية حربائية ،أو  انها تصطدم بصعوبة وعدم إمكانية  الإستمرار في تحالف قائم علي تلاقي الأضداد وجمع المتناقضات فتخرج  منه وتنسل ولو بعد حين.

من المعلوم أن أزمة الوطن لم تبدأ بمجي الانقاذ  وإنما  هي عملية طويلة وممتدة  تشكلت  منذ أزمان تاريخية بعيدة، وتحديدا منذ نشوء الدولة السنارية أو ما عرف بالسلطنة الزرقاء والتي دشنت الأحادية الهوياتية ذات المنحي الثقافي  الاقصائي المنفرد ، والمرتكزة علي سيادة أيديولوجية  لثنائية  عنصري العروبة والإسلام تجاوزا وقفزا علي حقائق  الواقع المتعدد و التنوع  الديني والعرقي والثقافي للوطن،وحين جاء الإستقلال سار علي ذات النهج والمنهج مما أفضي وقاد الي الصراع والاصطراع في شكله العنيف  والذي تمثلت محصلته النهائية ونتائجه المنطقية ومآلاته النهائية في الواقع المأساوي الذي نراه الان  ونعيش.

نداء السودان تبني خط المهادنة والحوار مع النظام كآلية للتغير وهذا وضع مربك وغريب، فكيف تدعو لتغيير جذري في هيكل الدولة  وتتحاور  مع نظام هو حاصل جمع سواءات هذا الهيكل  وكيف يرضي  تنظيم انتهازي مجرم مرتكز علي عقائدية وتحالف متشابك من الانتهازيين  أن يفكك نفسه ، بالقطع هذا  المنحي سيؤدي إلي حكومة يسيطر عليها النظام مع بعض التغييرات الطفيفية وأنفراج نسبي للحريات  إستجابة لضغوط ما يسمي المجتمع  الدولي، التي تري في النظام حليف رئيسي لها تحت الطاولة ، وذلك لان ما يسمي المجتمع  الدولي يعمل علي ضمان و ديمومة  مصالحه ومصالح شعوبه الإستراتيجية ، والنظام   يمدها أي هذه الدول بالمعلومات ويساهم لوجستيا ومعلوماتيا وإستخباراتيا في ضرب التنظيمات المتطرفة والتي دعمها سابقا ابان فترة  الهوس الديني ، من أقصي باكستان شرقا الي مالي غربا وكذلك يساهم مساهمة فاعلة وقوية في الحد من الهجرة لأوربا والتي تمثل المعضلة الاكبر  والهاجس الآني  المرعب لتلك الدول ، وذلك من خلال إطلاق يد مليشات النظام  ككلب حراسة  لضبط الحدود مع ليبيا و أريتريا وإثيوبيا  منعا لوصول المهاجرين  الي العمق الأوربي ،هذه المصالح  تجعل المجتمع الدولي متواطئا مع النظام غاضا الطرف عن أفعاله وجرائمه، ومن ثم يمارس ضغط علي نداء السودان وكل القوي المعارضة مدنية كانت أو عسكرية  من أجل  الرضا  بما عرف بخارطة الطريق، مع ضمانات شكلية ببسط للحريات وإنتخابات  تصور علي أنها  نزيهة وربما إبعاد البشير  مع بقاء هيكل دولته كاملا ،يربط هذا  مع دور خفي  مشبوه  يلعبه الصادق المهدي والذي يتواجد أبناؤه كجزء أصيل  من النظام، ويلتقي  مع النظام في أهداف رئيسية تتمثل في القضاء علي تمدد ثورات وتنظيمات الهامش مدنية كانت او عسكرية.

والصادق المهدي الذي يتحالف مع تنظيمات  تنادي بالتغيير  الجذري الآن في نداء السودان، هو من أحد  الأسباب التي دفعت هذه التنظيمات للتكوين والتشكل أصلا  مع أسباب أخري، رفضا للطائفية  واستغلالها للبسطاء من أجل  حماية وبقاء مصالحها المادية والمعنوية وتوريثها للأبناء. والصادق المهدي هو أول من مارس القتل علي أساس الاختلاف العرقي والديني  منذ أحداث الضعين وجبال النوبة في خور العفن وغيرها وأول من أنشأ  المليشات القبلية  وما عرف بالدفاع الشعبي وتسليح قبائل البقارة لضرب قبائل النوبة والجنوب، وهو اليوم  ضد أي تغيير نوعي يطيح بمملكته ومكتسباتها الطائفية  التي يريد ان يهيئ لها الملعب من جديد، بتصفية قوي الهامش مدنية كانت أو عسكرية،  هذه  القوي الصاعدة والتي تشكل الخطر الماحق علي أماكن وجوده التاريخي ونفوذه الطائفي المتوارث،ومن المعلوم ضرورة  أن هذه  التنظيمات ساهمت في رفع الوعي والتنوير وإزالة التغبيش الطائفي  للعقل الجمعي لجماهير تلك المناطق وحجمت من وجود وتنامي حزب الأمة ، وهو يفعل كل ذلك بوعي تام  من أجل تسليم الملعب السياسي والديمغرافي إلي أبنائه وأحفاده من بعده،  كما كان في السابق ومحاولة  إعادة عجلة التاريخ  الي زمن الجهل والبصم الطائفي مقابل وعود بأمتار في الجنة،  خصوصا  أنه كبر وتقدم  في السن،ويريد أن يطمئن علي مملكته الطائفية  وما بها  من إمتيازات مادية ومعنوية تمت حيازتها ارتكازا علي اللاهوت والميثولوجيا ،وبالعمل علي تفشي الجهل والانغلاق في تلك المناطق ، من أجل توريثها كمناطق نفوذ أبدي ودائم ، لأبنائه مطمئنا وخالي البال،وهو لا يختلف عن البشير إختلاف نوع بل هم في ذات الجهة فكرا  ووعيا وتفكير وبرامج ، وهي الجهة التي ظلت التنظيمات الثورية والعلمانية  والتقدمية  تحاربها منذ ان تكونت وتشكلت.

وحري بالقول هنا ان هناك تنظيمات إسفيرية هلامية، خرجت من رحم تنظيمات اخري لا وجود لها علي الارض  ولا جماهير لها وإنما تمارس نشاطها من خلال فرد أو فردين علي طرقات الميديا وشوارع الأسافير إنضمت الي نداء السودان بغية تكبير الكوم ومحاولة ضرب تنظيمات اخري من باب الكيد السياسي  والتصفية القذرة لحسابات الساسة،وهي تنظيمات هلامية لا لون او رائحة او شكل لها في خارطة الفعل الجماهيري والسياسي.

هذا الكولاج التنظيمي يمثل عجينة متناقضة  من الأفكار  والرؤي والمرتكزات والمبادي لا قوة دافعة لها  الا فقه  المصائيب يجمعنا المصابينا،كل أتي يتوكأ عصا مشاكله الذاتية  والموضوعية  متكئا علي الآخر حتي يتقوي به ريثما يلقي به في قارعة الطريق.
وحال تحالفات التضاد وتلاقي المتناقضات جربت سابقا   في الفجر الجديد والجبهة الثورية وغيرها  وآلت الي تشرزم وتشطي ومن ثم الأفول.

إن التحالفات يجب أن تبني  علي توافق الافكار والمبادي الأساسية والصدق والتماهي والاتساق  ما بين الفكرة والسلوك السياسي والبرامجي ،ولا بأس  ان يتكون تحالفين احدهم يتبني التغيير الجذري وإعادة هيكلة  الدولة السودانية  وفق دولة علمانية ديمقراطية فيدرالية، وأن تغيير النظام الحالي هو معركة  تقاد مع بقية معاركه في التغيير الجذري والكلي دون تنازل عن رؤيته ومبادئه الإستراتيجية،  وتحالف آخر يتبني فقط تغيير النظام الحالي مع بقاء ذات الهيكل المعوج للدولة وفق منهج مرتكز علي الإسلام، وليجدوا حد أدني فرعي بينهم  الآن، ريثما يصطرعان في حقل ديمقراطي لانهم  قطعا غير ملتقيان، لا من حيث الفكرة ولا الخط السياسي  ولا الفهم والوعي بماهية ومعني التغيير.

فاروق عثمان
١٠/٩/٢١٨

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

*السلطات تتكتم عن عدد المصابين في كسلا*

Share this on WhatsApp#الهدف #الهدف_تقارير *”الهدف”: كسلا* 22 سبتمبر 2018م ظهرت الإصابات الأولى بمرض الشنكونوغيا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *