الخميس , أغسطس 16 2018
ardeenfr
أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار لالا اليومية / عملية يوليو الكبرى (59) المذبحة والمجزرة قلب العملية 9/20   الانقلاب المضاد.. والانقلاب في الانقلاب

عملية يوليو الكبرى (59) المذبحة والمجزرة قلب العملية 9/20   الانقلاب المضاد.. والانقلاب في الانقلاب

 

عرض/ محمد علي خوجلي

دوافع الانقلابات العسكرية معروفة, دافع ثوري لتغيير الوضع السياسي والاجتماعي ببديل ديمقراطي أفضل وفي الغالب ينجزه صغار الضباط. أو دافع دستوري درءاً لخطر يهدد وجود الدولة كحرب أهلية أو فوضى عامة. أو دفع ايديولوجي. او دافع له علاقة بمصلحة الجيش كمؤسسة, أو دافع شخصي. وهناك الدافع الإجهاضي عندما يبادر عسكريون الى تدبير انقلاب لم يكونوا يخططون له, لإجهاض انقلاب آخر اكتشفوا أن قوى سياسية أو أيديولوجية مناوئة تخطط له أو بدأت في تنفيذه (الانقلاب المضاد). وقد يكون لانقلاب أكثر من دافع.

أما الانقلاب في الانقلاب فليس هو الانقلاب المضاد. والانقلاب المضاد نفسه يمكن أن يكون في داخله أيضاً انقلاب. وتأمين وتثبيت السلطة الجديدة يحتاج لتأمين نفسه من نفسه (تجارب الكونغو والمغرب نموذجاً) بمعنى أن “النواة”/ قيادة العملية العسكرية تحتاج الى تأمين نفسها وانقلابها وبالذات من المؤيدين والمشاركين بعد التنفيذ والتي قد تفكر أثناء الانقلاب في تحويل مسار الأحداث لصالحها من خلال تدبير انقلاب داخل الانقلاب وانتزاع قيادة الدولة.

وفي عملية يوليو تباينت الدوافع وشهدنا على الساحة يوم 22 يوليو الانقلاب المضاد والانقلاب في الانقلاب في صورتين.

النواة وكسب المؤيدين

“نواة الانقلاب هي المجموعة المغلقة لأصحاب الفكرة الذين حددوا أهدافها. أي العقل المخطط. وعندما تكون النواة جاهزة للعمل تكون بذلك قد وضعت أقدامها في أول طريق “مرحلة التحضير” وتتجه بعد ذلك الى الخطوة الجوهرية في التحضير وهي كسب الأنصار بشكل مباشر او غير مباشر:

وان توسيع عمل النواة/ قيادة الحركة الفعلية بكسب المنفذين والمؤيدين يتطلب:

1-التصنيف الشامل لضباط الجيش والعسكريين التقنيين “الطيران/ المدرعات.. الخ” أي انجاز الخريطة السياسية “المؤيدين/ المعارضين/ المحايدين/ القابلين للمشاركة وغير ذلك”.

2-دراسة أكثر تفصيلاً لذوي القابلية للاشتراك وتحديد وسائل التأثير على كل منهم لاقناعه “الفكر/ القرابة الأسرية/ زمالة الدراسة/ زمالة السلاح/ الصفات الشخصية/ الطموح الشخصي/ التذمر من نظام الحكم”.

3-دراسة قوة كل ضابط من حيث الخبرة, الأهمية في وحدته ومستوى التأثير والاحترام الذي يحظى به بين جنوده.

وكسب النواة للأنصار والمؤيدين في 25 مايو 69 لم يصاحبه تعقيد فهي كانت جزءاً من تنظيم الضباط الأحرار, فتوافر لها التصنيف السياسي. ونلاحظ أنها سعت الى كسب الضباط الشيوعيين بوسيلتين, بالاتصال الفردي المباشر, والاتصال بقيادة حزبهم وهي تعلم أن الأولى تخدم الثانية وهو ما حدث مساء 24 مساء مايو 1969م.

ووظفت النواة في 25 مايو المعلومات التي حصلت عليها بكسب المؤيدين بل واشراكهم في اجراءات تأمين السلطة الجديدة وتوسيع قواعد أنصارها في الجيش ومما اتبعته:

-استدعاء ضباط أحرار من منازلهم بعد الرابعة صباح 25 مايو بعد تمام استلام السلطة والاعتذار لهم عن ظروف التحرك وغير ذلك التي تسببت في عدم مشاركتهم في التنفيذ ويطلبون مشاركتهم في قيادة وتأمين الموقف العسكري “من النماذج/ الرواد: حمادة عبدالعظيم حمادة/ أحمد محمد علي/ حيدر يعقوب محمد توم”.

-استدعاء قيادات لتنظيم الضباط الأحرار ومنهم ضباط كبار بعد التنفيذ من خارج السودان ومنهم الرشيد نورالدين الذي كان يعمل معلماً بالكلية الحربية في دولة الكويت. ومزمل سليمان غندور ومحمد الباقر أحمد وكانا في القاهرة في دورة أكاديمية عسكرية “لاحظ: ثلاثتهم وردت اسماؤهم في محاولة انقلاب الناصريين يوم 7 نوفمبر 1964م”.

-ليس ذلك فحسب بل ان الاتصالات شملت ضباطاً خارج خدمة الجيش بخلاف فاروق عثمان حمدالله الذي كان من النواة, وتمت اعادتهم للخدمة يوم 26 مايو 69م وكذلك فاروق ومن هؤلاء:

1-العقيد طيار/ محي الدين أحمد مبروك 2- العقيد/ محمد خير عمر

3- المقدم/ أحمد عبدالحليم 4- المقدم/ عمر محمد سعيد

5- الرائد/ احمد دوكة فضل 6- النقيب/ محمد المبارك

7- ملازم أول/ النور عبدالنور 8- ملازم أول/ خليل أحمد طه

أما نواة 19 يوليو فقد كان أمرها مختلفاً: فقد اعتمدت في التنفيذ على صغار الضباط وحاولت تقليد انقلاب مايو باجراء الاتصالات والمناقشات بعد التنفيذ لكسب المؤيدين ولكنه تقليد لم يراع اختلاف الظروف فلا النواة ولا مجلس الثورة كان يمثل الضباط الأحرار في التنظيم الذي تم حله. فالنواة من الضباط الشيوعيين ومجلس الثورة يتكون في غالبيته من الشيوعيين واهم قضية طرحها البيان الأول هي “سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية” ورغم المظهر الشيوعي لما حدث لكن النواة لم تجر أي اتصال بخلايا التنظيمات الشيوعية في الجيش على مستوى الضباط “ومنهم من استمر في الخدمة حتى رتبة الفريق” أو على مستوى تشكيلات ضباط الصف والجنود. فالنواة لم يكن باستطاعتها الوصول الى تلك التنظيمات والتشكيلات إلا عن طريق الحزب والسكرتير العام.

(تلقيت وعداً بمساهمة في التوثيق من الضباط الشيوعيين الذين تم ابعادهم من المشاركة في كل المراحل).

وفي نفس الوقت اختارت النواة منفذين ومؤيدين من ضباط شيوعيين خارج خدمة القوات المسلحة وبالمعاش وضباط من الشيوعيين السابقين الذين كانوا مصنفين قبل الالتحاق بالخدمة العسكرية “كأعداء للحزب”.

والمقصود بكسب الضابط الى جانب الانقلاب أن يكون الضابط المنفذ قادر على استقطاب جنوده أو تحييدهم, ولا يتم اختياره لشخصه إلا اذا كان من الخبراء التقنيين. أما الضابط الهامشي الذي لا جنود له أو الذي خارج الخدمة أو بالمعاش أو الذي لا يحظى بثقة زملائه واحترام جنوده فليس بمهم أصلاً. وهذه هي مهمة التصنيف اللازمة والتي لاغنى عنها قبل الدخول في تحديد ساعة الصفر وما ادراك ما ساعة الصفر!!

التشكيلات ذات التسليح الثقيل

من البديهيات أن ترتب النواة/ قيادة الانقلاب مسألة التشكيلات ذات التسليح الثقيل “المدرعات مثلاً” وتطمئن الى أنها بجانبها. وفي انقلاب 25 مايو كانت المدرعات والمظلات تحت قيادة أعضاء في النواة/ القيادة المخططة والمنفذة نفسها “خالد حسن عباس/ ابوالقاسم محمد ابراهيم وزين العابدين محمد أحمد عبدالقادر”.

ولم تكن المسألة بعيدة عن تفكير العسكريين في تحرك 19 يوليو وكثيرون كانوا من المنفذين/ المؤيدين في 25 مايو. وعرفنا أن من ضباط اللواء الأول مدرعات المنفذين من اعترض على تحديد ساعة الصفر وتأجيل التحرك بسبب الأوضاع الذاتية في المدرعات وبالذات اللواء الثاني لأن مؤيديهم من “أطقم الدبابات” في المديريات الجنوبية.

أنظر: خطاب الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوداني الى سكرتيره العام في الأسبوع الأول من يوليو 1971م والذي يشير الى أن المدرعات والمظلات أصبحت تشكل تهديداً مباشراً للحركة الجماهيرية وللجيش.

وعلى ذلك, فان نقطة الضعف الرئيسية كانت مكشوفة. ومعلوم – سلفا – استحالة نجاح انقلاب عسكري من دون تشكيلات ذات تسليح ثقيل الى جانبه. ومع ذلك تمسكت النواة/ وقائدها الفعلي ابوشيبة بفرض ساعة الصفر. ووضع الجميع أمام الأمر الواقع. ويوجد تفسيران:

الأول: أن النواة وبسبب “التأثير على سير الأحداث” من قوى أخرى افترضت نجاح المعالجات لهذه المسألة الخطيرة وهي:

1-التعامل مع المدرعات والمظلات وبالذات اللواء الثاني كأسلحة معادية فكانت اجراءات نزع السلاح والتسريح والتسليح بعد الإعادة وشغلهم بمهام لكسب الوقت “حتى حضور اطقم دبابات من العراق” وكذلك نزع ابر ضربنار من المدرعات.

2- توظيف الأعداد القليلة الى جانب التحرك بمهام توفير المعلومات وتخريب محاولات إحداث انقلاب مضاد.

أنظر: رفضت النواة استقبال أطقم الدبابات برفض السماح للطائرات العراقية بالهبوط!!

أنظر: “عقد اجتماع يوم 22 يوليو بمدرسة المدرعات وانسحب الرقيب/ علي الزين لأنه كان مراقباً ومعه الرقيب أول/ يوسف حسن.. وعندما اتضح أن رقيباً من زملائهم يتجسس عليهم نقلوا الاجتماع الى الشجرة منزل الرقيب/ أحمد بلال ثم قشلاق الشجرة منزل الرقيب/ طه محمد أحمد”.

(العريف ابوالقاسم التيجاني/ جريدة الصحافة/ 30 يونيو 1971م/ الصحفي حامد احمد عثمان).

الثاني: أن قصد النواة الحقيقي ليس إحداث انقلاب عسكري, بل تحرك عسكري أساسه انتزاع قيادة الدولة عن طريق ترتيبات استخباراتية ممتازة وتم اجراء بروفات عليها! بافتراض ان ينضم اليها مباشرة كل أعضاء تنظيم الضباط الأحرار “القديم” وأعداد من ضباط أحرار مايو “الجديد” وغيرهم والدخول في تحالف من نوع جديد. وكان ذلك مستحيلاً في ظل الواقع والظروف وقتها فالنواة “ابوشيبة, الهاموش, ود الريح, وود الزين” أو مجموعة الأربعة مع مناقشات كانت تجرى مع محجوب ابراهيم طلقة, المبعد ايضاً في نوفمبر 1970م والذي كان معتقلاً واطلق سراحه يوم 19 يوليو ومجلس ثورة يوليو هم من فصيل واحد وطرح اتجاهاً واحداً.

تحرك عسكري لا انقلاب عسكري

إن فكرة التحرك العسكري لا الانقلاب العسكري تؤكدها وقائع كثيرة, وعدد من الضباط المنفذين من بينهم مدني علي مدني وعمر أحمد وقيع الله متفقون أن ما حدث يوم 19 يوليو ليس انقلاباً عسكرياً.

وفي حوار ماجد القوني مع عمر وقيع الله بهذه الصحيفة يوم 31 يوليو 2015م قال:

“19 يوليو لم تكن انقلاباً عسكرياً. كانت عملية تصحيحية لانحرافات صاحبت مجلس قيادة الثورة في حكومة مايو. وجميع الضباط المشاركين كانوا مؤمنين بذلك”.

وهذه الحقيقة حقيقة التحرك العسكري تظهر بجلاء شديد عند مراجعة ما كتبه ضباط 19 يوليو عن مرحلة التنفيذ في ذلك اليوم ومقارنته بأسس تنفيذ الانقلابات العسكرية التي تقوم بها التشكيلات الانقلابية عادة, في أي انقلاب عسكري وكتب المنفذون عن: الاعداد القليلة من ضباط الصف والجنود المشاركين واساليب كسب المؤيدين, تعطيل سلاح الطيران, العجز في الجنود, العجز في أطقم الدبابات وحتى العجز في ادارة التحرك بعد نجاحه باستيلاء كبار الضباط على ادارة دفة الأمور عملياً وأصبح صغار الضباط المنفذين تحت امرة الكبار غير المشاركين فاختلطت المسائل فتلاحظ:

1-بعد اقتحام مقرات القيادات العسكرية والأمنية التي لم تنضم الى الانقلاب وتملك قدراً للتدخل ضده, فإنه يتم استخدام قيادات تلك المقار في إصدار أوامر لقواتها لمساعدة الانقلاب أو البقاء على الحياد. ولابد أن تكون هذه المجموعة كبيرة العدد وثقيلة التسليح. فمن غير المتصور أن يظل المنفذون وجنودهم القليلين ومعظمهم حديثي الإلتحاق بالجيش بعد الاقتحام حرساً لها ولثلاثة أيام متتاليات.

2- نقل رأس الدولة بعد اعتقاله الى مكان آمن ومجهول “كان الاعتقال في القصر”.

3-اعتقال القيادات السياسية التي يمكنها الإضرار بالانقلاب سياسياً أو عسكرياً وايداعهم السجون أو وضعهم في أماكن مجهولة وآمنة ومحددة سلفاً في خطة الانقلاب “لم يحدث”.

4- سد منافذ العاصمة ومنع الدخول اليها والخروج منها حتى استقرار الانقلاب والتأكد من نجاحه. وإعمال الدوريات وفرض حظر التجوال في العاصمة واعلان حالة الطواريء, وقطع وسائل الاتصال والمواصلات “لم يحدث”.

5- جمع المعلومات عن القوى المعادية, ورصد أي تحرك في أي مكان بمشاركة المدنيين وبث الاشاعات بنجاح الانقلاب.

وكما أن أي انقلاب عسكري “خلال فترة التحضير” يحدد مركز الثقل في القوات المعادية, فإنه يحدد وبشكل قاطع الذين سيتم عزلهم أو اعتقالهم بالأعداد والأسماء والمواقع وهؤلاء في الغالب هم:

قيادات الجيش والأمن الذين لم يشتركوا أو لم يتم اقناعهم بالاشتراك في التنفيذ وهو ما طبق في مايو تماماً, أما في تحرك يوليو فان القيادات التي لم تقتنع بالاشتراك ظلوا يتمتعون بحرية الحركة بما في ذلك الذين أعلنوا ليس فقط رفضهم للتحرك بل والعمل على مقاومته.

-ومن الطبيعي أيضاً اعتقال بعض الشخصيات المتنفذة ممن ليس لهم موقع رسمي في جهاز الدولة لكنهم محل ثقة القيادة المستهدفة وأهل ولاء لها. وتزداد أهمية كل شخص بقدراته على تحريك جهاز الدولة, وجماهير الشعب ضد الانقلاب “قيادات حزبية لها شعبية أو كوادر سياسية وسطية.. الى آخر” حتى لا يتعرض الانقلاب للخطر.

وهذا الأمر ليس فقط لم يطبق في تحرك 19 يوليو بل لم تم مناقشته البتة وفسر ضباط منفذون اعتقال فاروق ابوعيسى ومعاوية سورج بسبب الانقسام على الحزب الشيوعي والمعلوم ان الحزب الشيوعي لم يدر حركة المجموعة وضباط الجيش وجماهير الشعب لم يكونوا أبداً تحت تأثير النفوذ الشيوعي.

-وكل الانقلابات العسكرية تختار العناصر القوية والمؤثرة من السياسيين ليتم اعتقالهم في المرحلة الأولى, وتأجيل آخرين الى حين توسيع قاعدة الانقلاب. وهذا حدث في 25 مايو 1969م أما في 19 يوليو 1971م فانه لم يكن بفؤاد النواة أو مجموعة الأربعة.

لذلك وغيره فان ما حدث في 25 مايو هو انقلاب عسكري أنجزت مجموعة الستة وما حدث يوم 19 يوليو 1971م كان تحركاً عسكرياً انجزته مجموعة الاربعة ولم يرتق الى انقلاب نقل السلطة لفئة ولم تتكون حكومته الخ ماهو معروف ونواصل: الانقلاب عسكري سياسي.

المراجع:

كتاب كيف تصنع انقلاباً عسكرياً ناجحاً – د. زين الدين حماد – المعهد المصري للدراسات 25 مايو 2016م.

ونواصل

للتواصل والمشاركة في هذا التوثيق الجماعي: موبايل 0126667742 واتساب 0117333006 بريد khogali17@yahoo.com

 

Print Friendly, PDF & Email

عن laalaa

شاهد أيضاً

*أطفال السودان والموت سمبلة*

Share this on WhatsAppبقلم: د. أحمد بابكر أصبحت المأساة هي الخبر الأساسي واليومي في أجندة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *